الخميس 22 كانون الأول 2022 08:30 ص

الاحتلال يعدم الأسير ناصر أبو حميد بالإهمال الطبي ويأسر جثمانه.. الوالدة: أبلغني أن ضابطاً حقنه بإبرة قبل إصابته بالسرطان


* جنوبيات

أعدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بفعل الإهمال الطبي، الأسير الشهيد ناصر محمد يوسف ناجي (أبو حميد) «الأسد المُقنع» (50 عاماً)، مُرتكبة جرائم حرب، وضد الإنسانية، وتمييز عنصري، وضربٍ بعرض الحائط لكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

وأضافت إلى جرائم الاعتقال والأحكام العرفية بـ7 مُؤبدات و50 عاماً، والسجن الانفرادي، والإهمال الطبي، الذي أدى إلى وفاته فجر أمس الأول (الثلاثاء)، بعد إصابته بداء السرطان ورفض السماح بعلاجه، جريمة جديدة باختطاف جثمانه، لينضم إلى 105 جثامين لشهداء في الثلاجات مُنذ العام 2015 و253 في مقابر الأرقام.

لا يُعتبر الشهيد ناصر أبو حميد، حاملاً للرقم 233 لشهداء الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، ولا الـ74 الذين استشهدوا جراء المرض، بل شكلت قضيته علامة مُميزة، حُفرت بأحرف ناصعة له ولعائلته، لأنه لم يسبق أن سُجلت تجربة مُماثلة في العالم، بأن يكون 5 أشقاء مُعتقلين في السجون معاً، ومحكومين بالمُؤبدات، مع أكثر من 110 أعوام، وهو ما كان ينطبق عليه مع أشقائه: نصر (5 مُؤبدات)، شريف (4 مُؤبدات)، محمد (مُؤبدين و30 عاماً) وإسلام (مؤبد واحد)، وجميع أفراد العائلة مروا بتجربة السجن، واستشهد والدهم محمد يوسف ناجي، مُتأثراً بتداعيات مرضه بالسجن، وشقيقهم عبد المنعم بعدما قتل ضابط «الشاباك» الإسرائيلي في الضفة الغربية مع عنصرين، في كمين محكم في 13 شباط/فبراير 1994، قبل أن يغتاله الاحتلال بتاريخ 31 أيار/مايو 1994.
الوالدة الحاجة لطيفة محمد ناجي أبو حميد (76 عاماً)، تحملت أسر واستشهاد أولادها وتفجير منزلها 5 مرات، تلقت نبأ استشهاد فلذة كبدها ناصر، التي تُكنى باسمه، علماً بأن بكرها هو يوسف، بصبر وإيمان.

كنت أسمع كثيراً عن ناصر وإخوته المُناضلين، لكن عندما تعرفت إلى والدتهم الحاجة لطفية، وتسنى لي زيارتها في منزل العائلة برام الله، مُتلمساً البركات من سيدة مُناضلة، تجاوزت في تضحياتها «الخنساء»، فأضحت «سنديانة فلسطين»، مُميزة على مُستوى العالم، بما لم يسبقها إليها أحد، أدركتُ كيف أرضعت الحاجة الفاضلة أولادها حليب حب فلسطين، والنضال من أجلها، وعدم التفريط بحبة تراب، والتمسك بالثوابت والقيم والمواقف.

هذا ما تجلى من مآثر لدى أفراد العائلة، الذين رفضوا الانصياع إلى أحكام الضباط العسكريين الإسرائيليين، وأيضاً رفض ناصر، وهو في أحلك الظروف الصحية، خلال مُعاناته مع المرض، تقديم طلب التماس إلى المسؤولين الإسرائيليين للإفراج عنه، أو السماح له بالعلاج خارج مُستشفيات الاحتلال.

صلابة ناصر، تمثلت بتحمله الآلام، بعد تفشي مرض السرطان في أنحاء جسده، حيث دخل بغيبوبة، وتعمدت سلطات الاحتلال التغاضي عن نقله إلى المُستشفى، إلى أن تدهور وضعه الصحي خلال شهر آب/أغسطس 2021، حيث تبين أنه مُصاب بورم على الرئة، فتم استئصال قرابة 10سم من مُحيط الورم، في عملية أجريت داخل «مُستشفى برزالاي» الإسرائيلي في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2021، ليُعاد نقله إلى «سجن عسقلان»، على الرغم من عدم تماثله للشفاء، مع إهمال طبي إسرائيلي مُتعمد، ما أوصله إلى حالة خطرة، فقرر الأطباء، إخضاعه للعلاج الكيميائي بعد مُماطلة مصلحة سجون الاحتلال، ما فاقم من وضعه الصحي.

حمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس قضية الأسير ناصر أبو حميد إلى الأمم المُتحدة، رافعاً صورته، مُطالباً في كلمته بالإفراج عنه، أو السماح لوالدته بزيارته، لكن سلطات الاحتلال لم تأبه لذلك!

أمام تدهور الوضع الصحي للأسير ناصر أبو حميد، سُمح لوالدته وشقيقه بالزيارة الأخيرة، يوم الاثنين الماضي، في «مُستشفى أساف هروفيه»، لمُدة نصف ساعة، حيث أخضعها لتفتيش دقيق من قبل أجهزة مُخابرات الاحتلال.
وقد نقل الاحتلال جثمان الشهيد من المستشفى إلى معهد الطب العدلي في «أبو كبير».

الوالدة، المُؤمنة، الصابرة، الحاجة «أم ناصر» التي قالت لنا في حديث سابق: «أفتخر أنني أم الشهداء والأسرى ولست أم العملاء، وإن قتلوا إخوتي وأبنائي وأسروا بعضهم، فلا شيء يهزني، لن يقتلوا عزيمتي وإرادتي».. تجلس في منزلها في حي بطن الهوى في رام الله في الضفة الغربية، الذي انتقلت إليه بعدما فجر الاحتلال منزلها السابق، تستقبل الوفود، فتشد من عزيمتهم، طالبةً منهم عدم ذرف الدموع، والدعوة لناصر بالرحمة.

تُصرّ الوالدة وأبنائها، على رفض فتح بيت لاستقبال المُعزين، «فلا عزاء قبل استقبال جُثمان ناصر، وتكريمه بالدفن في ثرى فلسطين، التي ضحى من أجلها».

تصف الحاجة «أم ناصر»، اللحظات الأخيرة التي سُمح لها بأن تزور فلذة كبدها، في المُستشفى، بأنه «تحول إلى ثكنةٍ عسكرية، كان يحتضر، ولم يتجاوب معنا، كنا نتحدث إليه، وقرأنا له آياتٍ من القرآن الكريم، وطلبنا منه أن يستجيب لنا إن كان يسمعنا، لكنه كان في غيبوبة».

تتحدث الوالدة لـ«اللـواء»، فتؤكد بأن «ناصر مشروع شهادة، وأنه «كفى ووفى»، ويُريد الالتحاق بشقيقه عبد المنعم، وأكد لي خلال زيارة سابقة أنه لم يُصب بالمرض، لكن تم حقنه به، فقد جاءني ضابط، وعندما تأكد من هويتي، حقنني بإبرةٍ أفقدتني الوعي، قبل تشخيص الإصابة بالسرطان، وتعريضه لإهمال طبي، ما أدى إلى استشهاده».
كانت أٌمنية «أم ناصر» الأخيرة، أن تحتضن ابنها في منزلها، سواءً «لمُتابعة حياته أو وداعه في المنزل».
ومُنذ الإعلان عن استشهاد ناصر، عمّ الإضراب والحداد العام في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، وانطلقت مسيرات فيها، مُنددة باغتيال الشهيد ناصر، وحصلت مُواجهات ضد قوات الاحتلال.

كما نفذ الأسرى في سُجون الاحتلال إضراباً، وأعادوا وجبات الطعام احتجاجاً.
وقد نعى الرئيس عباس، الشهيد ناصر أبو حميد، وهاتف والدته، مُعزياً باستشهاده.
يُصر الاحتلال بالتنغيص على حياة عائلة أبو حميد، حيث قرر وزير دفاع جيش الاحتلال في حكومة تصريف الأعمال بيني غانتس، عدم إعادة جثة الأسير ناصر أبو حميد وتسليمها إلى عائلته.

بدأت رحلة الأسير ناصر مع السجن في العام 1985، وكان عُمره حينها 13 عاماً، حيث أُفرج عنه بعد 4 أشهر.
انتمى إلى حركة «فتح»، ضمن إطار «مجموعة الأسد المُقنع» في رام الله، وكان من كوادرها في «الانتفاضة الأولى» - «انتفاضة الحجارة»، التي اندلعت في العام 1987، وعلى الرغم من أن عمره كان 16 عاماً، لكنه كان يقود الجماهير، وهي تهتف باسمه، فاعتقله الاحتلال مُجدداً، لعامين ونصف العام، قبل أن يُفرج عنه.
لكن، واصل نضاله، فأعاد الاحتلال اعتقاله مُجدداً في العام 1990، بعد إصابته إصابة بليغة، وحُكم عليه بالمُؤبد، فأمضى من الحكم 4 سنوات، وأُفرج عنه في العام 1994، ضمن مُندرجات اتفاق «أوسلو».
لكن، الاحتلال الذي لا يلتزم بمواثيق أو قوانين وأعراف، عاد واعتقله في العام 1996، وأمضى في السجن 3 سنوات، حين أُفرج عنه في العام 1999.

ما أن اندلعت «الانتفاضة الثانية» - «انتفاضة الأقصى» في أيلول/سبتمبر 2000، رداً على تدنيس وزير دفاع جيش الاحتلال - آنذاك - أرييل شارون، باحات المسجد الأقصى المُبارك، حتى برز دور ناصر، كأحد قائد «كتائب شُهداء الأقصى» الجناح العسكري لحركة «فتح».

تصدى للاحتلال، وقاد عمليات عدّة، إلى أن اعتُقل في 22 نيسان/إبريل 2002، مع شقيقه نصر في مُخيم قلنديا، وما زال في سُجون الاحتلال حتى استشهاده، حيث حكم الاحتلال على ناصر بـ7 مُؤبدات و50 عاماً، علماً بأن مجموع ما أمضاه في سجون الاحتلال يٌقارب 32 عاماً، ونصر حُكم عليه بـ5 مُؤبدات و39 عاماً.

المصدر :اللواء