6 ربيع الأول 1447

الموافق

الجمعة 29-08-2025

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم

بأقلامهم

"بين الغربة والوطن"!
"بين الغربة والوطن"!
سمارة الحلو
2025-08-29

بَردٌ قارِص... أَمطَارٌ تَتَسَاقَطُ كَشَلَّالٍ هَادِر... زِحَامُ سَيرٍ خَانِق... عَواصِفُ كَأَنَّهَا قُنبُلَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فِي مَكَانٍ مَجهُول.

أُسَارِعُ خُطُواتِي، حَتَّى استَوقَفَتنِي رُؤيَتُهَا جَانِبَ الطَّرِيق... تَحتَمِي بِزَاوِيَةٍ لَا تَخلُو مِن قَرصَةِ البَرد. كَانَت تُحَاوِلُ أَن تُشَابِك يَدَيهَا لِتُخَفِّفَ أَلَمَ الصَّقِيع.

اِقتَرَبتُ مِنها... أَمسَكتُ يَدَهَا... وَسِرنَا مَعًا حَتَّى بَلَغنَا مَنزِلِي. دَخَلتُ وَأَدرِكُ أَن دُخُولَهَا المَنزِلَ هُوَ بِمَثَابَةِ خَيمَةِ أَمان. جَلَستْ حَولَ مَوقِدِي، فَقَدَّمتُ لَهَا شَرَابًا سَاخِنًا لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ مِن بُرُودَةِ أَطرَافِهَا. حِينَئِذٍ اِحمَرَّ وَجهُهَا، وَارتَسَمَتِ ابتِسَامَةُ شُكرٍ لَم تَتَفَوَّه بِهَا شَفَتَاهَا.

جَلَستْ كَعَادَتِهَا تُحَدِّثُنِي عَن قَسَاوَةِ الغُربَةِ وَمَرَارَةِ الأَيَّام. ضَحِكَتْ... وَدَمعَةٌ مَخبُوءَةٌ فِي عَينَيهَا. قَالت:

"كُنتُ سَعِيدَةً فِي مَنزِلِي... زَوجِي، أَولَادِي، أَثَاثِي... كُلُّ شَيءٍ كَانَ جَمِيلًا. لَم أَعرِف يَومًا شِدَّةَ البَرد؛ فَحَرَارَةُ سَعَادَتِنَا كَانَت كَافِيَةً لِتُطفِئَ البُرُودَةَ وَتَمْلَأ المَكَانَ دِفئًا. مَنزِلِي كَانَ قَصرِي، وَكُلُّ مَا فِيهِ يَتَحَدَّثُ عَن رَاحَةٍ وَأَمانٍ وَحَنَانٍ. ضَحَكَاتُ أَولَادِي بَلسَمُ الآلَام، وَالعَابُهُم تَتَنَاثَرُ فِي كُلِّ مَكَان، فَتَغزُو قَلبِي بِالفَرح حَتَّى لَا أَشتَهِي النَّوم. أَمَّا زَوجِي، فَهُوَ عُنوَانُ الحَنَان... بَل أُسطُورَةُ سَلَام."

ثُمَّ تَنَهَّدتْ قَائِلَةً:

"وَمَضَتِ السِّنُون... وَمَعَ فَقدِ زَوجِي ذَبُلَت أَحلَامِي وَتَعَذَّرَ المَسِير. تَثَاقَلَت الأَيَّام، وَتَكَاثَرَت الهُمُوم... فَقَدتُ أَجنِحَتِي... لَا، بَل فَقَدتُ الكَثِير. عَانَيتُ، بَكيتُ، خَارَت قُوَاي... يَا لَهَا مِن قَسَاوَة! كَيفَ سَأُتَابِعُ المَسِير؟"

وَبِقُوَّةٍ مَخنُوقَةٍ أَضَافَت:

"لَمَلمتُ نَفسِي، خَاطَبتُ عَقلِي... وَإِن كُنتُ لَا أُجِيدُ التَّمثِيل، إِلَّا أَنَّنِي كُنتُ بَارِعَةً فِي إِعَادَةِ أَشلَائِي. وَاجَهدتُ الحَيَاةَ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِن قَهرٍ وَحُزنٍ وَأَلَم، وَكُنتُ دَومًا أُصَارِعُ قَلبِي لِأُتَابِعَ المَسِير."

وَتَابَعَت:

"شَاءَتِ الأَقدَارُ أَن أُغَادِرَ إِلَى بَلَدٍ آخَر، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مَوطِنِي... فِيهِ وُلِدتُ وَتَرَعرَعتُ. وَمَضَت رِحلَتِي مَع أَولَادِي... وَإِن كَانَت خُطَاهُم أَثقَلَتهَا جِرَاحُ الفُرَاق وَغُربَةُ الوَطن. كَانَ ذَلِكَ لَهُم كَطَعنَةِ سِكِّين. وَمَعَ ذَلِكَ حَاوَلتُ جَاهِدَةً أَن أُسعِدَهُم، أَن أَجمَعَهُم، أَن أَزرَعَ المَحَبَّةَ وَالتَّعَاوُنَ فِي قُلُوبِهِم. كَسَرتُ قُيُودَ التَّعَب... وَغَدَوتُ كَفَتَاةِ العِشرِينَ. كَم نَاجَيتُ أَلَمِي أَلَّا يَظهَرَ أَمَامَهُم... كَم أَوصَيتُ دُمُوعِي أَلَّا تَنهَمِر، لِكَي لَا أُؤذِي مَشَاعِرَهُم. حَتَّى ذِكرَيَاتِي أَغرَقتُهَا فِي النِّسيَان."

وَصَمتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالت بِصَوتٍ مُرتَجِف:

"وَهَا أَنَا اليَوم... أَقِفُ عَاجِزَةً بَينَ العَودَةِ وَالبَقَاء. فَالوَطَنُ يُنَادِينِي، وَالغُربَةُ تَستَهلِكُ أَولَادِي. أُتَرجِمُ أَفكَارَهُم... فَأَكتَشِفُ رَغبَةً كَامِنَةً فِي قُلُوبِهِم، لَكِنِّي أَتَمَنَّى لَو أَنتَظِر قَلِيلًا... لَعَلَّ مَا أَخشَاهُ يَرحَلُ، حَامِلًا مَعَهُ كُلَّ مَعَانَاةٍ وَتَفكِير."

وَبَينَمَا كُنَّا نُودِّعُ بَعضَنَا، نَظَرتْ إِلَيَّ وَابتَسَمَت، مُحَاوِلَةً إِخفَاءَ دُمُوعِهَا. لَكِنِّي أَحسَستُ بِأَلَمٍ عَمِيق... تَرجَمَ لِي كُلَّ المَوضُوع.

جنوبيات
أخبار مماثلة
"شيرين أبو عاقلة... الشاهدة والشهيدة" كتاب هيثم زعيتر في الذكرى الأولى للاستشهادوظائف شاغرة في شركة NTCCفاسكوomtla salleقريبا "Favorite"