مَا أَجْمَلَ تِلْكَ الأَيَّامَ الَّتِي جَمَعَتْنَا فِي المَدرَسَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ، حَيْثُ البَسَاطَةُ تَتَسَلَّلُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالبَهْجَةُ تَنْبُعُ مِنْ أَصْغَرِ التَّفَاصِيلِ. كُنَّا نَسْتَيْقِظُ بِنَشَاطٍ، نَحْمِلُ حَقَائِبَنَا الصَّغِيرَةَ، وَقُلُوبُنَا مَفْتُوحَةٌ لِكُلِّ يَوْمٍ جَدِيدٍ. وَكَانَ رِفَاقُنَا فِي الفَصْلِ أَكْثَرَ مِنْ زُمَلَاء، بَلْ أَشْبَهَ بِإِخْوَةٍ صِغَارٍ نَتَقَاسَمُ مَعَهُمُ الضَّحِكَاتِ وَالأَسْرَارَ وَأَوْرَاقَ الدَّرْسِ.
وَالمُعَلِّمَاتُ كُنَّ كَالأُمَّهَاتِ، يَحْتَضِنَّ خَطَأَنَا بِالنّصْحِ، وَيُشَجِّعْنَ أَحْلَامَنَا الصَّغِيرَةَ كَأَنَّهَا بُذُورٌ تُرْوَى لِتُثْمِرَ يَوْمًا. وَعَلَى مَلاعِبِ المَدرَسَةِ كُنَّا نَجِدُ مَسْرَحًا لفَرَحِنا؛ الكُرَةُ تَتَدَحْرَجُ وَمَعَهَا القَهْقَهَاتُ، وَالطَّابُورُ الصَّبَاحِيُّ يَجْمَعُنَا فِي أُنْشُودَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي فُرْصَةِ السَّاعَةِ العَاشِرَةِ، كَانَتِ المَدَارِسُ تَمْتَلِئُ بِرَائِحَةِ الكَعْكَةِ الطَّرِيَّةِ وَالمَنقُوشَةِ السَّاخِنَةِ، وَأَيْدِينَا تَقْبضُ عَلَى عَصِيرِ "البُونجُوس" البَارِدِ. كَانَ ذَلِكَ الوَقْتُ أَشْهَى مَا نَنْتَظِرُهُ، وَأَجْمَلَ مَا نَتَذَكَّرُهُ اليَوْمَ.
وَكُنَّا نَعْرِفُ نِظَامَيْنِ لِلدِّرَاسَةِ: مَرْحَلَةَ القُدُومِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأُخْرَى بَعْدَهُ، كُلٌّ لَهَا نَكْهَتُهَا الخَاصَّةُ. وَعِنْدَ نِهَايَةِ الدَّوَامِ، نَخْرُجُ مَشْيًا عَلَى الأَقْدَامِ، نَتَسَابَقُ فِي الطَّرِيقِ، وَنَحْكِي لِبُيُوتِنَا كُلَّ مَا جَرَى.
وَإِذَا مَا كَبِرْنَا وَتَفَرَّقَتْ بِنَا الطُّرُقُ، بَقِيَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ تُلَاحِقُنَا كَطَيْفٍ جَمِيلٍ، تَزُورُنَا فِي سَاعَاتِ الوَحْدَةِ وَتُذَكِّرُنَا أَنَّنَا كُنَّا يَوْمًا قُلُوبًا نَقِيَّةً تَجْتَمِعُ عَلَى البَسْمَةِ. نَمُرُّ أَمَامَ المَدَارِسِ اليَوْمَ فَنَرَى جُدْرَانًا جَدِيدَةً وَأَبْوَابًا غَيْرَ تِلْكَ الَّتِي عَرَفْنَاهَا، وَلَكِنَّنَا نَسْتَشْعِرُ دَاخِلَنَا أَنَّ الأرْوَاحَ مَا زَالَتْ تَجْلِسُ عَلَى المَقَاعِدِ الخَشَبِيَّةِ، وَتَرْسُمُ بِالطُّبْشُورِ أَحْلَامًا صَغِيرَةً كَبُرَتْ مَعَ الأَيَّامِ. فَذَاكِرَةُ الطُّفُولَةِ لَا تَشِيخُ، وَرِفَاقُ المَدرَسَةِ يَبْقَوْنَ فِي القَلْبِ وَإِنِ اغْتَرَبُوا.
كَانَتِ الحَيَاةُ آنذاك أَجْمَلَ وَأَصْفَى، لَا هُمُومَ تُثْقِلُ القَلْبَ، وَلَا أَعْبَاءَ تُحْجِمُ البَسْمَةَ. فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، كُنَّا نَعْرِفُ أَنَّ السَّعَادَةَ بَسِيطَةٌ، وَأَنَّ الحَيَاةَ حُلْوَةٌ مَا دَامَ فِيهَا رِفَاقُ المَدرَسَةِ.