في أجواء وصفت بـ"الدافئة والصريحة"، أقام النائب فؤاد مخزومي عشاءً في دائرته تكريمًا للمبعوث الأميركي توم باراك، بحضور عدد من النواب والوزراء، من بينهم الوزيرين الشيعيين ياسين جابر وفادي مكي. اللقاء الذي بدا في ظاهره مناسبة إجتماعية، تحوّل سريعًا إلى مساحة سياسية مكشوفة، كشفت الكثير من المواقف الحقيقية إزاء قضايا إقليمية حساسة.
محاور النقاش
خلال العشاء، طرح أحد الحاضرين سؤالًا عن آفاق الحوار والمفاوضات بين إسرائيل ولبنان من جهة، وإسرائيل وسوريا من جهة ثانية، وإيران والولايات المتحدة من جهة ثالثة، مستفسرًا عن إمكان تحقيق اختراق في هذه المسارات، والصعوبات التي تعترضها.
المبعوث الأميركي لم يترك مساحة كبيرة للتفاؤل، إذ أجاب بوضوح أنّ "كل هذه المساعي ستبقى محاولات عقيمة ما دامت إيران، رأس الأفعى في المنطقة، قائمة وحاضرة وقادرة، ولا حل إلّا بقطع رأس الأفعى، وهو ما سيؤدي بطبيعته إلى إنهاء ما يُعرف بـ الشيعية السياسية".
المفاجأة: تأييد وزراء شيعة
اللافت أنّ جواب المبعوث الأميركي لم يلقَ إعتراضًا، بل على العكس، واجه ترحيبًا صريحًا من عدد من الحاضرين الذين فوجئوا أكثر عندما أبدى الوزيران الشيعيان الحاضران، ياسين جابر وفادي مكي، تأييدهما الواضح لهذا الطرح.
هذا الموقف أثار دهشة بعض المشاركين، لأنه كشف – بحسب وصف أحدهم – الموقف الحقيقي لهذين الوزيرين تجاه إيران، وما تعنيه من حضور ونفوذ في لبنان، وتجاه مجمل الحالة الشيعية السياسية التي تُشكّل إحدى ركائز المشهد الداخلي والإقليمي.
الدلالات السياسية
كسر الصورة النمطية: تأييد وزيرين شيعيين لتصريح أميركي بهذه الحدّة ضد إيران، يضع علامات إستفهام حول حقيقة اصطفافهما السياسي، ويُظهر أن ثمة هوامش داخل البيئة الشيعية ليست على إنسجام كامل مع "المحور الإيراني".
مؤشرات على تبدّل المزاج: قد يكون هذا الموقف إنعكاسًا لتحولات أعمق في المزاج السياسي، لبعض النخب الشيعية التي بدأت ترى في إرتباط لبنان بالمشروع الإيراني، عائقًا أمام الاستقرار والإنفتاح على الغرب والعالم العربي.
رسالة إلى الخارج: العشاء برعاية نائب بيروتي بارز وبحضور شخصية أميركية وازنة، شكّل منصة غير مباشرة لإيصال إشارات إلى واشنطن والعواصم الغربية بأن "الشيعية السياسية" ليست كتلة صمّاء، بل يمكن تفكيكها من الداخل.
العشاء الذي دعا إليه فؤاد مخزومي على شرف طوم باراك تحوّل إلى جلسة كشف أوراق سياسية أكثر منه لقاءً بروتوكوليًا. الموقف الأميركي كان واضحًا وحادًا: لا حلول حقيقية في المنطقة بوجود إيران. لكن المفاجأة الكبرى تمثّلت في تأييد وزراء شيعة لهذا الطرح، ما فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عن مستقبل العلاقة بين الشيعة اللبنانيين وإيران، وعن إمكانية إعادة رسم خريطة الإصطفافات داخل الطائفة نفسها في المرحلة المقبلة.