8 ربيع الأول 1447

الموافق

الإثنين 01-09-2025

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم

بأقلامهم

"أَخْلَاقُ النُّبَلَاءِ"!
"أَخْلَاقُ النُّبَلَاءِ"!
القاضي م جمال الحلو
2025-08-31

إِنَّ لِلنُّبَلَاءِ فِي الحَيَاةِ نَهْجًا رَفِيعًا يُمَيِّزُهُمْ، وَسُلُوكًا سَامِيًا يَرْفَعُهُمْ عَنِ الصَّغَائِرِ، وَيَجْعَلُهُمْ قُدْوَةً لِلنَّاسِ فِي المُعَامَلَةِ وَالأَخْلَاقِ. فَالنُّبْلُ لَيْسَ لَقَبًا يُمْنَحُ، وَلَا مَجْدًا يُورَّثُ، وَإِنَّمَا هُوَ صَفَاءٌ فِي القَلْبِ، وَسُمُوٌّ فِي النَّفْسِ، وَرِفْقٌ فِي التَّعَامُلِ، وَرَحْمَةٌ بِالخَلْقِ.

مِنْ أَخْلَاقِ النُّبَلَاءِ أَنْ يَجْبُرُوا الخَوَاطِرَ، فَيَكُونُوا بَلْسَمًا لِلْجِرَاحِ، وَمَلَاذًا لِلْمُنْكَسِرِينَ، يَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ بِالعَوْنِ قَبْلَ أَنْ تُطْلَبَ، وَيَغْرِسُونَ الأَمَلَ فِي قُلُوبٍ أَرْهَقَهَا الأَلَمُ. فَهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةٌ، وَأَنَّ بَسْمَتَهُمْ قَدْ تَرْفَعُ الحُزْنَ عَنْ قَلْبٍ أَثْقَلَهُ الهَمُّ.

وَمِنْ أَخْلَاقِهِمْ كَذَلِكَ أَنْ يُرَاعُوا المَشَاعِرَ، فَيَزِنُوا كَلِمَاتِهِمْ بِمِيزَانِ الحِكْمَةِ، وَيَتَجَنَّبُوا مَا يَجْرَحُ القُلُوبَ أَوْ يُكَدِّرُ الصَّفْوَ. فَهُمْ يَخْتَارُونَ أَرَقَّ الأَلْفَاظِ وَأَجْمَلَ العِبَارَاتِ، وَيُدْرِكُونَ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذَا خَرَجَتْ لَا تَعُودُ، وَأَنَّ أَثَرَهَا قَدْ يَبْقَى فِي النَّفْسِ أَعْوَامًا.

وَيَحْرِصُ النُّبَلَاءُ عَلَى حِفْظِ العِشْرَةِ وَصَوْنِ الوُدِّ، فَلَا يَنْسَوْنَ إِحْسَانَ مَنْ أَحْسَنَ، وَلَا يُبَدِّلُونَ وفَاءَهُمْ بِنُكْرَانٍ، بَلْ يَبْقَوْنَ أَوْفِيَاء لِلْعَلَاقَاتِ مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ وَتَغَيَّرَتِ الأَحْوَالُ.

كَمَا أَنَّهُمْ لَا يُؤْذُونَ أَحَدًا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، وَيَجْتَهِدُونَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَجَالِسِهِم النَّاسُ بِقُلُوبٍ أَصْفَى مِمَّا دَخَلُوا بِهَا، إِذْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ إِيذَاءَ القُلُوبِ مِنْ أَبْشَعِ صُوَرِ الظُّلْمِ.

وَإِذَا تَأَمَّلْتَ حَيَاتَهُمْ، وَجَدْتَهُمْ يَعِيشُونَ أَنْقِيَاءَ السَّرِيرَةِ، بَيَاضُ قُلُوبِهِمْ يَسْبِقُ بَيَاضَ ثِيَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ شَاهِدَةٌ عَلَى صَفَائِهِمْ، فَهُمْ يَنْهَلُونَ مِنْ نَهْجِ الأَنْبِيَاءِ، وَيَقْتَبِسُونَ مِنْ نُورِهِمْ، وَيَسِيرُونَ عَلَى خُطَى الأَخْيَارِ وَالصَّالِحِينَ.

إِنَّ هَذِهِ الأَخْلَاقَ لَيْسَتْ تَرَفًا وَلَا مَظْهَرًا اجْتِمَاعِيًّا، بَلْ هِيَ أَسَاسٌ مَتِينٌ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَمَاسِكٍ تَسُودُهُ المَحَبَّةُ وَالاحْتِرَامُ. وَإِذَا أَرَدْنَا لِأَنْفُسِنَا رِفْعَةً فِي الدُّنْيَا وَكَرَامَةً فِي الآخِرَةِ، فَلْنَحْمِلْ أَخْلَاقَ النُّبَلَاءِ فِي قُلُوبِنَا، وَلْنَجْعَلْهَا نَهْجًا لَا نَحِيدُ عَنْهُ.

فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ رَفَعَتْ صَاحِبَهَا، وَكَمْ مِنْ لَفْتَةٍ حَانِيَةٍ غَيَّرَتْ حَيَاةَ إِنْسَانٍ، وَكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ شَرِيفٍ بَقِيَ ذِكْرُهُ خَالِدًا فِي القُلُوبِ، يَرْوِيهِ النَّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.

جنوبيات
أخبار مماثلة
"شيرين أبو عاقلة... الشاهدة والشهيدة" كتاب هيثم زعيتر في الذكرى الأولى للاستشهادوظائف شاغرة في شركة NTCCفاسكوomtla salleقريبا "Favorite"