أخبرني أحد الأصدقاء ممّن يتميّزون بخفّة الظلّ، ودماثة الأخلاق، ونقاء السريرة، أنّ هناك دراسةً حديثةً حول سعادة المواطن اللبنانيّ.
قال هذا الصديق الصدوق — وعلى وجهه ابتسامةٌ لطيفةٌ تعكسها دمعةٌ مبطّنةٌ في غور عينيه — إنّ هذه الدراسة توصّلت، بعد تقصٍّ عميقٍ، وجهدٍ جهيد، وتعبٍ ومشقّة، إلى أنّ اللبنانيّ من أكثر شعوب الأرض سعادة!
وبالعربيّ الدارج:
إذا إجت الكهربا ساعة بينبسط.
إذا فوّل سيّارتو بنزين (مخلوط بالميّ) بينبسط.
إذا لاقى مصاري بالـATM بينبسط.
إذا وصل ع بيتو وطلع بالأسانسير بينبسط.
إذا لقى تخت بالمستشفى (ولو عم بموت) بينبسط.
إذا جاب غالون زيت (بعجقة المول) بينبسط.
إذا شاف علامة الـWi-Fi ع موبايلو بينبسط.
إذا زمط من شي انفجار بينبسط.
إذا زادولو معاشو 10$ بينبسط.
إذا علّولو سقف السحوبات من البنك (وحسمولو 90% منهن) بينبسط.
إذا إجت الميّ — ولو فيها ريحة مجارير — بينبسط.
إذا سرقولوا مصرياتو وخلّوه "طيّب" بينبسط.
إذا علّوا الأسعار مئة ضعف، وبعدين نزّلوها "ليرتين" بس، بينبسط.
إذا لاقى فيزا وهاجر من بلدو بينبسط.
أيُّ سعادةٍ هذه التي تُقاس بفتات الحقوق، وتُختزل بلحظة انقطاعٍ لمصيبةٍ أكبر؟
أيُّ فرحٍ هذا الذي يولد من رحم الخوف، ويترعرع على هامش الانهيار؟
لقد حوّلتم، يا حكّام القهر والخذلان والنفاق والحرمان، أبسط مقوّمات العيش الكريم إلى إنجازٍ استثنائي، وأدنى درجات الخدمة العامة إلى مِنّةٍ تُستجدى. فجعلتم المواطن يتدرّب يوميًا على التأقلم مع الوضع الشّاذ، حتى بات الطبيعيّ استثناءً، والاستثناء قاعدة.
سعادة اللبنانيّ اليوم ليست إلّا آليةَ دفاعٍ نفسيّ، يبتكرها كي لا ينهار، وابتسامةً مشروطةً كي يواصل العيش.
لكنّ الشعوب لا تُقاس بقدرتها على الاحتمال فحسب، بل بقدرتها على استرداد حقّها، وعلى تحويل الألم إلى وعي، والوجع إلى موقف، والابتلاء إلى مشروع نهوض.
ولبنان، الذي علّم الدنيا الحرف والحرية، لن يبقى أسير سعادةٍ مُهانةٍ تُستجدى على أبواب المصارف، ولا على عتبات المولّدات، ولا في طوابير الذلّ.
ولا أقول لكم إلّا ما ذكره الله في محكم تنزيله:
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
صدق الله العظيم.