24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "نشيدُ البركة في زمنِ القِلّة"!
"نشيدُ البركة في زمنِ القِلّة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-02-20
"نشيدُ البركة في زمنِ القِلّة"!

ما كان الفقرُ في تلك الأيّام اسماً على مسمّى، ولا كان عنوانَ عوزٍ أو انكسار؛ بل كان ضرباً من الاكتفاء النبيل، وزهداً يشفّ عن غنىً داخليٍّ لا تُدركه حسابات السوق ولا تُحصيه دفاتر المصارف. كان الناس يعيشون على القليل، لكنهم يتّسعون للكثير؛ "قليل المال، كثير المعنى".

كانت الأعراس سبعةَ أيّامٍ بلياليها، لا لأنّ الوفرة تُسرف، بل لأنّ المودّة تُقيم. يُدعى إليها أهل البلدة قاطبةً، فيلبّون كأنّهم إلى صلاةٍ جامعة، وتُبسط المناسف بالسمن البلديّ واللحم الطريّ، فيأكل الناس من يدِ المحبّة قبل أن يأكلوا من يد الطعام. هناك، لم يكن الفرح صناعةً تُشترى، بل نعمةً تُستخرج من صدورٍ راضية، وتُدار بين الأكفّ كما يُدار الماء الزلال.

وكانت تلبيسة العروس ذهباً يلمع، لا بريقَ مباهاةٍ، بل إشراقَ عهدٍ وميثاق. أساور وخواتم ومباريم تُحاط بها المعاصم كما يُحاط القلب بالوصيّة: أن يبقى البيت عامراً بالودّ، مصوناً بالعفّة، محروساً بالحياء. لم تكن الأثواب فارهة، غير أنّها كانت تستر الجسد وتصون الكرامة؛ وكانت الكرامة يومئذٍ أثمن من "كلّ الاجواخ والحرائر".

كانت المضافات مفتوحة الأبواب، كأنّها قلوبٌ على مصاريعها. القهوة تفور في الدلال، ورائحتها تسري في الأزقّة فتدلّ الضيف على الطريق. لم يكن الضيف طارئاً، بل كان امتحانَ المروءة، وعنوانَ البيت. وكانت الجيوب، وإن خفّت نقودها، مثقلةً بعقولٍ نيّرة، ونفوسٍ تعرف قدر نفسها وقدر غيرها.

كان أفقرُ رجال الحارة يملك بيتاً، سقفه من تعب يديه، وجدرانه من عرق جبينه. لم يكن في بيته تلفازٌ يملأ السمعَ والبصر، لكن فيه مجلسٌ يملأ الروح حديثاً ودفئاً. أمّا اليوم، فقد تكاثرت الشاشات وتباعدت الوجوه؛ اتّسعت البيوت ضيقاً، وضاقت الأرواح اتّساعاً.

كنّا نملأ الكاز في البراميل، وفي كلّ حارةٍ ماءُ سبيلٍ يجري كأنّه صدقةٌ دائمة. وكانت «التنكة» تختزن زيت الزيتون والسمنة والدبس والجبنة البلدية، لا تُخجِل صاحبها ولا يُخجِلها؛ فهي وعاءُ القوت وذاكرةُ الأرض. لم نكن نستنكف من بساطتها، لأنّنا كنّا نعرف أنّ البركة لا تُعبّأ في علبٍ مزيّنة، بل تسكن في يدٍ نظيفة وقلبٍ شاكر.

كانت الرواتب قليلة، نعم؛ لكن الأخلاق كانت سامقةً كالسنديان. كانت الشهامة رأسمالاً، والحياء زينةً، والقولُ عهداً لا يُنقض. لم يكن الناس يتباهون بما يملكون، بل بما يُحسنون؛ وكان الغنى يومئذٍ أن تنام مطمئنّاً، وأن تصحو وليس في ذمّتك لأحدٍ حقّ.

ثمّ تسلّلت قلّةُ البركة كما يتسلّل الغبار إلى البيوت المهجورة. أخذت من المعاني وهجها، ومن العلاقات دفأها، ومن القلوب صفاءها. تركت لنا الأجساد تمشي، لكن الأرواح تئنّ؛ وتركت في الأيدي أشياء كثيرة، وفي الصدور فراغاً أكبر.

تلك كانت «أيام الفقر» التي لم تكن فقراً، بل كانت مدرسةَ غنىً خفيّ، يُعلّم الإنسان كيف يعلو بالقليل، وكيف يُقيم من البساطة مجداً، ومن القناعة عزّاً. كنّا يومها إذا التقينا، التقينا بوجوهنا وقلوبنا معاً؛ نتقاسم الرغيف كما نتقاسم الهمّ، ونتساند في الشدّة كما تتساند حجارةُ البيت الواحد.

فيا لَلمفارقة التي تُبكي قبل أن تُدهش:
لقد كثرت أموالنا وقلّت بركتنا،
واتّسعت أسواقنا وضاقت صدورنا،
وتعدّدت مقتنياتنا وتناقصت طمأنينتنا.

حقّاً…
كم كنّا أغنياء حين كنّا فقراء.

جنوبيات
أخبار مماثلة