من الصعوبةِ بمكانٍ أن تكونَ اللغةُ العربيّةُ مناطَ حوارٍ بين طبيبٍ ومريضه؛ فلا المريضُ أحسنَ بيانَ وجعه، ولا الطبيبُ المعالجُ أحسنَ تلقّي الحالة. وفي غيابِ الفهم، دار الدواءُ في حلقةٍ مفرغة، تستحيلُ فيها معالجةُ مريضٍ غابَ عنه — وعن طبيبه — لسانُ التفاهم. فهاجَ المشهدُ وماج، واضطربت أمواجُ المعنى بين قائلٍ وسامع.
وإليكم ما دار من حوارٍ:
دخل رجلٌ على طبيبٍ فقال له: أمتعَ اللهُ بك، إنّي أكلتُ البارحةَ من لحومِ هذه الجوازل، فطسِئتُ طسأةً، فأصابني وجعٌ ما بين الوابلةِ إلى دأيةِ العنق، فلم يزلْ يربو وينمو حتّى خالط الخَلبَ والشراسيف؛ فهل عندك دواءٌ لي؟
فقال الطبيبُ: نعم، خذْ خربقًا وشلفقًا وشربقًا، فزهزِقه واغسلْه واشربْه.
قال الرجلُ: لم أفهمْ ما قلتَ!
قال الطبيبُ: وهل فهمتُ أنا مرضَك؟! خذ حبّتين من البانادول وانصرفْ، عافاك الله.
الشرح:
الجوازل: الحمام.
الطسأة: التُّخمة.
الوابلة: أعلى العضد.
الشِّرسوف: أعلى البطن.
دأية العنق: ملتقى ضلوع الصدر.
الخَلب: حجابٌ بين القلب والكبد.
الزَّهزقة: الهزّ.
خربقًا وشلفقًا وشربقًا: أسماءُ نباتات.
وبعد عمليّة الترجمة، يتبيّن توصيفُ الحالة:
تناولَ المريضُ لحمَ الحمام، فأُصيبَ بتُخمةٍ من الدسم، امتدّ أثرُها إلى أعلى صدره وبطنه.
فقال له الطبيب: خذ هذه الأعشاب، وهزّها واغسلْها واشربْها.
ومن منطلقِ الصحوِ على ما يجري في بلادِ العجائبِ والغرائب، نتلمّسُ بصيصَ أملٍ لمعالجةِ الجوائح المرضيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والإنسانيّة. وكلّنا أملٌ ألّا نحتاجَ إلى "منجّمٍ مغربيٍّ" لترجمةِ واقعِ الحال، ولكي لا نقعَ في دوّامة: "المريضُ الخارق، والطبيبُ الحاذق".
غير أنّ العلّةَ، في جوهرها، ليست في اللغةِ حين تعمى، بل في أهلها حين يعجزون عن تبسيطها، أو يتعمّدون تعقيدها؛ إذ تصيرُ الألفاظُ جدرانًا، لا جسورًا، ويتحوّلُ البيانُ — الذي وُجدَ للفهم — إلى غشاوةٍ تحجبُ المعنى. فمتى استعدنا وضوحَ القول، استعدنا معهُ شفاءَ العقلِ قبل الجسد.