ترقد اللواء رشيدة سعيد المغربي، شقيقة الشهيدة دلال المغربي، في ثرى فلسطين التي ناضلت، من أجلها طويلاً، لتُطوى صفحة من مسيرة مُناضلة، حملت إرث العائلة وقضية الوطن، وبقيت حتى لحظاتها الأخيرة مُتمسكة بحلم إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة، وعاصمتها القدس، والعثور على رفات "عروسة فلسطين" وعودة اللاجئين.
أبصرت رشيدة المغربي، النور في عائلة وطنية مُناضلة، لوالدها سعيد المغربي ووالدتها آمنة حسن إسماعيل، في أوساط اللجوء الفلسطيني، في مُخيمات بيروت، حيث تشكّل وعيها المُبكر داخل مُخيم شاتيلا، فكبرت على مُعاناة شعبها وآماله.
مُنذ سنواتها الأولى، اندفعت للعمل الوطني، فالتحقت بـ"جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني"، قبل أن تنتقل إلى العمل التنظيمي والأمني ضمن مكتب الـ17"، تحت إشراف القائد علي حسن سلامة "أبو حسن".
شكّل استشهاد شقيقتها دلال في أعقاب "عملية الساحل" - "كمال عدوان"، بتاريخ 11 آذار/مارس 1978، بإشراف القائد خليل الوزير، محطة مفصلية في حياتها.
فالعملية، كان لها الكثير من الدلائل والرسائل، تمكنت خلالها دلال بقيادة المجموعة المُؤلفة من 13 شخصاً من إعلان قيام الدولة الفلسطينية، وبسط سيطرتها لساعاتٍ على المنطقة المُمتدة من حيفا إلى يافا.
لم يكن الفقد دافعاً للتراجع، بل حافزاً للاستمرار، فانخرطت أكثر في العمل النضالي، وتولّت مهام أمنية وتنظيمية مُتعددة، وأوكلت إليها، امتدت إلى خارج لبنان، ومنها في نهاية سبعينات القرن الماضي في بريطانيا، دفاعاً عن القرار الوطني الفلسطيني المُستقل، حيث تعرّضت للاعتقال والتعذيب لسنوات طويلة، بلغت حوالى 12 عاماً، قبل أن يُفرج عنها في العام 1988، فانتقلت إلى الجزائر، حيث كان في استقبالها الرئيس ياسر عرفات، في رسالة حملت الكثير من الدلالات، تعبيراً عن المكانة الخاصة، التي كان يخُصها بها، تقديراً لالتزامها ودورها الطويل في مسيرة النضال.
بعد الإفراج عنها، واصلت رشيدة نشاطها ضمن الأطر التنظيمية للثورة الفلسطينية، مُتنقلة بين ساحات عدة، من بينها الجزائر، حيث أُعيد تفعيل عمل قوات الـ17.
حقق الرئيس محمود عباس، أمنية رشيدة، بإعادتها إلى أرض الوطن، مع انعقاد أعمال "المُؤتمر العام السادس" لحركة فتح" في بيت لحم، خلال شهر آب/أغسطس 2009، مُعتبرةً تلك العودة تحقيقاً لحلم شخصي لطالما انتظرته.
هناك في بيت لحم، التقيت رشيدة المغربي، فأبدت سعادتها بالعودة، وإصرارها على البقاء فوق أرض فلسطين.
وفي لقاء لها مع رفيق شقيقتها دلال في العملية البطولية، خالد أبو اصبع، شعرتُ بمدى اهتمام رشيدة المغربي، بملف شقيقتها دلال، الذي أصبح يستحوذ على جزءٍ كبير من حياتها لمُتابعته، بعدما تحولت إلى رمز نضالي، حيث سعت، بالتعاون مع القيادة الفلسطينية، إلى كشف مصير رفاتها، في ظل الغموض الذي أحاط بملف "مقابر الأرقام" التي اعتمدها الاحتلال الإسرائيلي لإخفاء هويات الشهداء، وكانت تعتقد في مرحلة من المراحل أن شقيقتها دُفنت في القدس، قبل أن تتكشّف مُعطيات مُختلفة لاحقاً.
عن ذلك، وثقت في كتاب "لحظات من عمري في فلسطين"، الذي أصدرته خلال شهر نيسان/إبريل 2011، ضمن الصفحتين 170-171، في موضوعٍ عن الشهيدة دلال المغربي، رواية رشيدة المغربي، التي قالت فيها: "بعد ما يُقارب الشهرين من استشهاد دلال، زارنا في البيت وفد من "الصليب الأحمر" برفقة مُمثلين عن حركة "فتح"، ليُناقشوا مع والدي أمر الجثمان، فتحدثوا مع والدي بهذا الموضوع، وقالوا له: ماذا بخصوص الجثمان؟! سنقوم بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية لاستعادة الجثمان ونقله إلى هنا لدفنها، كنت حينها أجلس بجانب والدي، وطبيعة شخصية والدي هادئة، فنظر إليّ لأُبدي رأيي في الأمر، فقلت له: "دلال حلمها أن تُدفن في فلسطين، فالأفضل دفنها في فلسطين"، فطلب والدي من "الصليب الأحمر" تسليم جثة دلال إلى مشايخ أو أئمة في القدس، ليتمّ دفنها في مقبرة مُسلمين هناك، أفضل من إخراجها من فلسطين ودفنها".
وتضيف رشيدة: "بعدها بأيام سُجنتُ عند البريطانيين، وحسب ما عرفت، وأنا في السجن بأن دلال دفنت في القدس، إذ سُجنتُ لفترة ليست بالقصيرة، ولدى خروجي رُحِّلت إلى الجزائر، وفي أحد الأيام جاءتني أخت عزيزة، وهي زوجة أحد السفراء الفلسطينيين في الخارج، وقالت لي بأنه تم نقل جثمان دلال من الثلاجة إلى "مقبرة الأرقام"، فأُصبت وقتها بالذهول، وقلت لها بأنّ دلال دفنت في القدس، ودفنها أئمة مُسلمون في مقبرة هناك".
وتتابع: "ذهبت حينها إلى الشهيد الرئيس "أبو عمّار"، وقلت له: "يا أخ "أبو عمّار" صحيح أنّ جثمان دلال لم يُدفن في القدس؟". فأجاب "أبو عمّار" بالإيجاب، و"أنّ جثمان دلال كان في الثلاجة وتمّ نقله إلى مقبرة الأرقام"، فقلت له: "كيف ذلك؟" إنّ "الصليب الأحمر" والوفد الذي أرسلته معهم فاوضوا الإسرائيليين وأخذوا الجثمان؟".
وتقول رشيدة: ردّ "أبو عمّار" بأنّ الإسرائيليين لم يقبلوا بذلك حينها!".
لم تكن قضية الشهيدة دلال الغربي مُجرد شأن عائلي، بل تحوّلت إلى جزءٍ من نضالها الأشمل دفاعاً عن حقوق عائلات الشهداء والأسرى، وسعياً لإبقاء هذه القضايا حيّة في الوعي الوطني.
واصلت رشيدة نشاطها الوطني والاجتماعي، وانتُخبت عضواً في "المجلس الثوري" لحركة "فتح" خلال أعمال المُؤتمر العام السابع للحركة، الذي عقد في رام الله في الضفة الغربية، خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2016.
وشاركت في العمل المُؤسساتي، من خلال "قوات الأمن الوطني الفلسطيني"، ومجال تمكين المرأة وتأسيس "وحدة النوع الاجتماعي"، ضمن بنية المُؤسسة الأمنية الفلسطينية.
وحافظت على صلاتها مع أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات، ولا سيما في لبنان، حيث بقيت المُخيمات جزءاً من ذاكرتها ومسيرتها.
عاشت رشيدة المغربي محطات قاسية، من الفقد إلى الاعتقال، ومن الغربة إلى العودة، فيما رحل والداها من دون أن يتمكّنا من احتضان رفات ابنتهما دلال، وهو ما شكّل جرحاً إنسانياً عميقاً رافقها طوال حياتها، ومع ذلك، بقيت صلبة في مواقفها، مُؤمنة بأن النضال لا يكون بالسلاح فقط، بل بالكلمة، والموقف والصبر.
رحلت رشيدة المغربي، فجر يوم الخميس في 2 نيسان/إبريل 2026، في مدينة رام الله في الضفة الغربية، بعد صراعٍ طويلٍ مع المرض، تحملت آلامه، وقد حملت معها أمنيات لم تكتمل: تحرير الأرض، إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة وعاصمتها القدس، عودة اللاجئين واستعادة رفات الشهداء.
لكنها، في المُقابل، حققت ما اعتبرته إنجازاً كبيراً: أن تعود إلى فلسطين، وأن تبقى فيها حتى النهاية، وتُوارى الثرى في الأرض التي ناضلت لأجلها، وعلى مرمى حجر من مسقط رأس العائلة في يافا.
هكذا تُغادر رشيدة المغربي، لكن حضورها يبقى في ذاكرة النضال الفلسطيني، كواحدة من النساء اللواتي حملن القضية بصمت وإصرار، وكتبن فصولاً من التضحية والوفاء، حتى الرمق الأخير.