يقول أحد الحكماء: «القلوبُ كالقدور في الصدور، تغلي بما فيها»؛ ولذا كان على العاقل أن يتعلّم من أدب التخاطب وفنونه ما يصل به إلى قلوب الناس، مراعيًا فقه الكلمة، وخطورة اللفظ، وحفظ المنطق، وحسن التعليق ضمن إطار النقد البنّاء. وكم من صداقاتٍ قامت على حسن الأدب في التخاطب، وكم من عداواتٍ نشأت بسبب سوء الأدب فيه.
فالتخاطب إذًا حاجةٌ ملحّة في تعاملنا اليومي مع الآخرين، يقوم على أسسٍ من اللياقة واللباقة، وبطريقةٍ انتقائيةٍ تُعنى بلطف العبارة وجمال التعبير، كانتقائنا المنمّق لزهور الباقة وورودها. فالكلمة الطيبة، كما ورد في كتاب الله عزّ وجلّ، كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وفنّ التخاطب مع الناس عنوانُ الارتقاء، وأدبُ التحاور مع الآخر شعاعٌ من نور النقاء، وانتقاءُ الجملة الهادفة الراقية في تعاملك الكلامي مع نظيرك سموٌّ وافتخار.
لقد كان والدي، طيّب الله ثراه، يعلّمني أن على المرء أن يتخيّر في خطابه الكلم الطيب، وأن يختار في حواره أحسن الألفاظ وأجملها وألطفها، وأبعدها عن ألفاظ أهل الجفاء والغلظة. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾. صدق الله العظيم.
وإذا كانت الكلمة مرآةَ القلب، فإن تهذيبها تهذيبٌ للذات، وصقلُها ارتقاءٌ في مدارج الإنسانية. فليست البلاغةُ زخرفًا لفظيًّا، بل مسؤوليةٌ أخلاقية، تُبنى بها الجسور أو تُهدم، وتُزرع بها المودّة أو تُستثار بها الخصومة. ومن أدرك أثر كلمته قبل أن ينطق بها، امتلك مفاتيح القلوب، وسار في الناس سيرةً محمودة.
وهكذا يغدو أدبُ التخاطب ليس ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورةً إنسانية، به تُصان العلاقات، وتُحفظ الكرامات، وتُبنى مجتمعاتٌ أكثر وعيًا ورقيًّا؛ حيث تكون الكلمة الطيبة صدقةً، والقول الحسن رسالةً، واللسانُ أداةَ بناءٍ لا معولَ هدم.