24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ذكاءُ الإشارة"!
"ذكاءُ الإشارة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-04-16
"ذكاءُ الإشارة"!

مِن ذكاءِ العربِ ونباهتِهم يُقال دائمًا: «الموضوعُ فيه إنّ»؛ فما قصّةُ هذه ال «إنّ»؟

كان في مدينةِ حلبَ أميرٌ ذكيٌّ فطنٌ شجاعٌ، يُدعى عليَّ بنَ مُنقِذ، وكان تابعًا للملك محمودِ بنِ مرداس.
 وقد حدث خلافٌ بين الملك والأمير، ففطن الأميرُ إلى أنّ الملكَ ينوي قتله، فهرب من حلب إلى دمشق.

طلب الملك من كاتبه أن يكتب رسالةً إلى الأمير عليّ بن مُنقذ، يطمئنه فيها ويستدعيه للعودة إلى حلب. وكانت وظيفة الكاتب في بلاط الملوك لا تُسند إلا إلى رجلٍ ذكيٍّ بليغٍ، يُحسن صياغة الرسائل، حتى إن بعض الكُتّاب كانوا يبلغون منزلةً عظيمة، وقد يصير أحدهم ملكًا إذا خلا العرش.

أدرك الكاتبُ بنيّة الملك، فكتب رسالةً عاديّةً في ظاهرها، غير أنّه ختمها بعبارة: «إنَّ شاء الله تعالى»، مشدِّدًا النون على غير القياس. فلمّا قرأ الأمير الرسالة، استوقفه هذا «الخطأ»؛ إذ كان يعرف براعة الكاتب ودقّته، فأدرك أنّ في الأمر إشارةً خفيّة. وما لبث أن تذكّر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، فعلم أنّها رسالة تحذير مبطّنة.

فكتب الأمير ردّه برسالةٍ هادئةٍ يشكر فيها الملك ويُظهر له ثقته، وختمها بعبارة: «أنَّا الخادمُ المُقِرُّ بالإنعام»، مشدِّدًا النون أيضًا. فلمّا قرأها الكاتب، فطن إلى أنّ الأمير قد التقط الإشارة، وأنّه يجيبه بإشارةٍ مماثلة، مستلهمًا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، فاطمأنّ إلى أنّه لن يعود إلى حلب ما دام الخطر قائمًا.

ومنذ تلك الحادثة، جرى القول على ألسنة الناس: «الموضوع فيه إنّ»، يُراد به أنّ وراء الأمر خفيًّا، وأنّ في طيّاته ما يستدعي الفطنة والتأمّل.

وهكذا، لم تكن «إنّ» مجرّد حرفٍ للتوكيد، بل غدت رمزًا لذكاءٍ مُشفَّر، ولغةٍ تُقال بين السطور، حيث تعجز العبارة الصريحة عن النجاة، فتتولّى الإشارة مهمّة الإنقاذ. وفي ذلك درسٌ بليغ:
 أنّ الفطنة لا تكمن في كثرة الكلام، بل في حسن التقاط المعنى، وأنّ النجاة قد تختبئ أحيانًا في تفصيلةٍ صغيرةٍ لا يلتفت إليها إلا الأذكياء.

جنوبيات
أخبار مماثلة