منذ فترةٍ ليست ببعيدة، وفي حادثةٍ غريبةٍ وإن لم تكن فريدة، سقطت طائرةٌ في صحراء نائية، كانت في رحلةٍ متّجهةٍ إلى مجاهل أفريقيا. وقد قُتل جميع الركّاب، ما عدا ثلاثة: أميركيٌّ، وفرنسيٌّ، ولبنانيٌّ، إذ كانت إصاباتهم خفيفة لا تتعدّى بعض الخدوش الطفيفة.
وفجأةً، هجم عليهم بعضُ أبناء القبيلة، فاقتادوهم إلى شيخها، الذي عرّف عن نفسه بلغةٍ غريبة، فُهم منها أنّه شيخ قبيلة «جهنّم الحمراء».
طلب الأميركيّ، عبر إشاراتٍ دالّة، أن يتّصل بأهله، فأمر الشيخ أن يُعطى هاتفًا خلويًّا، وأشار بيده إلى أنّ على المتّصل أن يدفع مبلغًا محدّدًا لقاء الاتصال. فاتّصل الأميركيّ بأهله وطمأنهم إلى حاله، واستمرّ الاتصال دقيقتين، فبلغت كلفته ألف دولار.
ثمّ اتّصل الفرنسيّ، وتحدّث لمدّة دقيقةٍ ونصف، فبلغت كلفته خمسمئة يورو.
وجاء دور اللبنانيّ، فدام اتّصاله ساعةً كاملة، ومع ذلك لم تتجاوز كلفته دولارًا واحدًا، أي ما يعادل تسعون ألف ليرة لبنانيّة وفق «سعر الصرف ».
فما كان من الأميركيّ والفرنسيّ إلّا أن صرخا محتجّين على فداحة ما دفعاه، مقارنةً بما دفعه اللبنانيّ.
عندئذٍ، صاح بهما شيخ القبيلة قائلًا:
«إنّ المكالمة من جهنّم الحمراء إلى كلٍّ من أميركا وفرنسا تُعدّ مكالمةً دوليّة، أمّا المكالمة من جهنّم الحمراء إلى لبنان فهي مكالمةٌ داخليّة».
وبرّر قوله بأنّ العيش في لبنان بات كمن يقيم في جهنّم نفسها.
ويا للمفارقة المؤلمة، حين يتحوّل الوطن في وعي أبنائه إلى مرآةٍ للعذاب، لا ملاذًا للكرامة. فالأوطان لا تُقاس بحدودها، بل بما تصونه من إنسانيّةٍ في أهلها، وبما تزرعه فيهم من أمل. فإذا تآكل الأمل، واستُبيحت الكرامة، صار الخلاص واجبًا لا خيارًا، وصار الإصلاح قدرًا لا مفرّ منه.
فتعسًا لمن أوصل البلاد إلى هذا الدرك الأسفل من الانهيار، وعليه من الله ما يستحقّ.