24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"نضجُ العمر"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-05
"نضجُ العمر"!

بسرعة البرق الخاطف مرّت الأيّام، وتلتها الأسابيع، ثمّ الشهور فالسّنون،  وبلغ الشيب منّا مفرقًا. ولم نعد نبحث عن أصدقاء جدد، ولا حتى عن أناس نحبّهم ويحبّوننا.
ومضى العمر بما حمل من ذكرياتٍ محزنةٍ وجميلة، ولم نعد نكترث إن لبسنا الثياب نفسها أو استبدلناها بالجديد لنبدو أكثر شبابًا.

كبرنا، وأصبحنا نخاف على أهلنا بدلًا من أن نخاف منهم. ولم نعد نتجادل، حتى لو كنّا على صواب، بل تركنا للأيام أن تمضي، كفيلةً بإثبات وجهات نظرنا.
أخذت منّا السنوات كثيرًا ممّا كان، فلم نعد نبوح بآلامنا وأحزاننا، بل بتنا نداوي أنفسنا بأنفسنا.

كبرنا، فصرنا نفرح بصمت، ونبكي بصمت، ونضحك بابتسامةٍ خافتة. كبرنا بهدوء، بلا ضجيجٍ أو إعلان، بل بنضجٍ يتسلّل إلى الروح قبل الملامح. ولم نعد نهتمّ بنوع الهاتف الذي نمتلكه، ولا بنوع السيارة، ولا حتى برقمها.
غيّر العمر ملامحنا، فلم نعد نتأثّر بالكلام المعسول، ولا بالمظاهر الخادعة، بل صرنا نطلب أفعالًا صادقة تنبع من القلب، لا كلماتٍ تُقال باللسان.

لم نعد ننتقد الآخرين، بل صار دعاؤنا لهم: “الله يعين الناس”. وأصبح همّنا أن نُعين محتاجًا، ونمدّ يد العون لفقير، ولو ضاقت بنا الحال.
كبرنا، فميّزنا بين المظاهر الخادعة والجوهر الصادق، وأدركنا أنّ ليس كلّ ما يلمع ذهبًا، وأنّ حبل الكذب قصير.

صرنا نعرف من يحاول خداعنا، لكنّنا نتركه أحيانًا يصدّق وهمه بأنّه نجح. وتعلّمنا متى نسامح، ومتى نتجاوز، ومتى نتغافل عن أخطاء الآخرين.
وبخبرة السنين، أدركنا ألّا نعلّق قلوبنا بتوقّعاتٍ من أحد، وأن نكتفي بذواتنا، ونعرف متى نثق وبمن نثق.

كبرنا... نعم، كبرنا، فاقتربنا من الحقيقة أكثر: أنّ العمر ليس بما مضى منه، بل بما وعيناه فيه؛ وأنّ النضج ليس في عدد السنين، بل في صفاء القلب، وسكينة الروح، واتّساع الأفق.
وهكذا، نمضي لا ننتظر الرحيل برجاء، ولا نخشاه برهبة، بل نستقبله بطمأنينة العارفين، وقد تعلّمنا أن أجمل ما في الحياة أن نغادرها بقلوبٍ خفيفة، وأثرٍ طيّب، وذكرى لا تؤلم أحدًا.

جنوبيات
أخبار مماثلة