يُروى أنّ صبيًّا رأى والده يغرسُ فسيلةَ عنبٍ في أرضٍ خصبةٍ يملكها. وبعد زمن، شاهد والده يقطف من تلك الكرمة عناقيدَ يانعةً أثقلت الأغصان بحلاوتها وخيرها.
وبدافع التقليد، عمد الصبيّ إلى غرس شتلةٍ شوكيّة، ثم أخذ يرقبها كلّ يوم منتظرًا أن تُثمر عنبًا كما أثمرت فسيلة أبيه. غير أنّ الأيّام مضت، وما حصد إلّا الأشواك. فسأل والده، والحيرة تملأ عينيه، عن سبب ذلك، فأجابه الأب بحكمةٍ مقتضبة:
«يا بُنيّ، إنّ الشوك لا يُنبت عنبًا».
عندها أدرك الصبيّ أنّ النتائج ليست إلّا ثمرةً طبيعيّةً للأسباب، وأنّ من أراد خيرًا فعليه أن يزرع بذوره، وأنّ الحصاد لا يخون الزرع أبدًا. ولهذا صار يُضرَب المثل في العلاقة الوثيقة بين الأفعال ونتائجها؛ فمن يزرع الريح يحصد العاصفة، ومن يغرس الورد يقطف عبير العطر وشذا الجمال. وهكذا الإنسان في حياته: ما يزرعه في الأرض أو في القلوب، يعود إليه يومًا خيرًا أو شرًّا.
وفي تأمّلنا واقعَ لبنان الجريح، يحقّ لنا أن نتساءل: ماذا يمكن أن نجني من سياساتٍ عقيمة، وخلافاتٍ مدمّرة، ومصالحَ ضيّقة، سوى الخيبة والانهيار وتبدّد الأحلام؟ وكيف لوطنٍ أنهكته الأنانيّات أن ينهض ما لم تُزرَع فيه بذور الصدق والإخلاص والمحبّة؟
إنّ الأوطان، كالأرض تمامًا، لا تُثمر سلامًا إذا سُقيت بالكراهية، ولا تُنبت استقرارًا إذا غُرست فيها بذور الفساد والانقسام. وما أحوجنا اليوم إلى رجالٍ يزرعون في النفوس الطمأنينة، وفي الدولة العدالة، وفي المجتمع روح التآخي والمسؤوليّة. فالحياة لا تمنح الإنسان إلّا صورةً عمّا قدّمت يداه، والزمن لا يردّ إلينا سوى ما أودعناه فيه.
إنّها دعوةٌ صادقة إلى مراجعة الذات، ونبذ الافتراء والأحقاد، والعودة إلى قيم الخير والحقّ؛ لعلّنا نتمكّن من الخروج من هذا النفق الطويل، ونُطلّ من جديد على وطنٍ يستحقّ الحياة، وطنٍ تُزهِر فيه الكرامة كما تُزهِر الكروم في مواسم الخير.