24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "انفصالُ الوعي"!
"انفصالُ الوعي"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-11
"انفصالُ الوعي"!

حدثني والدي (طيّب الله ثراه) ان أحد الصّالحين كان يُخاطب مريديه قائلًا:
«وحده اللهُ من يُسبغ النِّعم، ويدفع النِّقم، ويفرِّج الغُمم، ويكشف الظُّلَم. وهو أعدلُ من حكم، وحسيبُ من ظُلِم. هو الأوّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، وهو الذي يجعل من أمرنا فرجًا، ومن تقوانا مخرجًا».
فسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

لقد أصبحتُ على يقينٍ بأنّ لبَّ المشكلة في حياتنا، بحلوها ومرِّها، يكمن في انفصال الإنسان عن واقعه؛ فالآمنُ منّا يظنّ أنّ البلاء لا يطاله، ويتوهّم أنّه دائمُ الاستعداد للأزمات المحدقة، بل يرى ـ في قرارة نفسه ـ أنّ خير وسيلة لنجاته هي إغراق غيره والتخفّف من أعبائه على حساب الآخرين. وهكذا غدا مجتمعُنا أشبه بقوم نوح، حين أنذرهم نبيُّهم بالطوفان، فظنّوا أنّ الجبال ستعصمهم من الغرق، وما علموا أنّ النجاة لا تكون بالعلوّ في الأرض، بل بالسموّ في الإيمان والبصيرة.

إنّها عقليّة «الأنا» المتجذّرة في كلّ نفسٍ منفصلة عن الحقيقة، المستمرّة في سلوك البشر ما دامت الحياة.

ويمنع الله عن عبده حاجةً من حاجاته، ثمّ يُلهمه سؤالها، ثمّ يُلهمه التضرّع في طلبها، ثمّ يستجيب له فيمنحه ما سأل؛ فله الفضل حين منع، وله الحمد حين أعطى، وله الحكمة فيما بين المنع والعطاء. فهو سبحانه المحمود على كلّ حال.

كثيرون يرمون أخطاءهم وفوضى تصرّفاتهم على الدّنيا، ثمّ يتذرّعون بأنّ الزمان قد تغيّر، وأنّ الحياة أصبحت قاسيةً وظالمة. والحقيقة أنّ الدّنيا لم تتبدّل، والحياة لم تكن ظالمةً يومًا، وإن اشتدّت قسوتها أحيانًا؛ وإنّما الذي تغيّر هو الإنسان، حين تراجعت الأخلاق، واهتزّت القيم، وغابت المبادئ، فلم تعد هناك مُثلٌ عليا تُحتذى، ولا تقاليد نافعة تُرشد، ولا عادات أصيلة تهدي إلى الطريق الأسلم والأقوم.

وما ذلك إلّا نتيجة أنانيّةٍ متفاقمة، وتمسّكٍ بالعنجهيّة، وارتهانٍ لكلّ ما هو مبتذل ومنبوذ وممجوج، حتّى أصبح بعض الناس يفاخر بما كان يُستحى منه بالأمس.

ومن هنا، لا ينبغي للمرء أن يستهين بأيّ فرصةٍ يستطيع فيها قضاء حاجة إنسان، أو جبر خاطر مكسور، أو مساعدة ضعيف؛ فإنّ الله يُدهش عباده بفيض فضله عند حاجتهم، وربّما ساق إليهم الفرج قبل أن ينطقوا بالدعاء.

وما أحوجنا اليوم إلى أناسٍ يحملون نقاء الفهم قبل فصاحة الكلام؛ أولئك الذين إذا خانتنا العبارة لم يخنهم الإدراك، وإذا تعثّرت مفرداتنا أصلحوا النيّات، ونظروا إلى القلوب قبل الألفاظ.

فالإنسان لا يُقاس بما يجمعه من مالٍ أو نفوذ، بل بما يزرعه من رحمة، وما يتركه من أثرٍ طيّب في النفوس. وحين يدرك المرء أنّ الحياة رحلةُ عبورٍ لا رحلةُ استحواذ، يصبح أكثر قربًا من الناس، وأكثر صدقًا مع ذاته، وأكثر فهمًا لمعنى الاستخلاف في هذه الأرض.

ونختم بقول الشاعر:

«وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفتُه من الفهم السقيمِ».

جنوبيات
أخبار مماثلة