24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"ظهرٌ مثقل"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-16
"ظهرٌ مثقل"!

يُروى أنّ أعرابيًّا كان يُثقل ظهر بعيره بالأحمال والمتاع، حتّى أخذ الجمل يئنّ تحت وطأة ما يحمل من أثقال. ولمّا تبقّت حزمةٌ من القشّ، أراد الأعرابيّ أن يضعها فوق تلك الأحمال لتكون زادًا لبعيره في أثناء المسير، وهو يدرك تمام الإدراك أنّ الحيوان بلغ أقصى حدود الاحتمال. فأخذ يضع القشّة تلو القشّة بحذرٍ شديد، خشية أن ينهار البعير دفعةً واحدة. غير أنّه، ما إن وضع القشّة الأخيرة، حتّى وقع الجمل أرضًا من شدّة الألم، بعدما عجز ظهره عن احتمال المزيد.

ومن هنا وُلدت المقولة الشهيرة: «القشّة التي قصمت ظهر البعير»؛ تلك العبارة التي باتت تُستحضر كلّما بلغ الوجع ذروته، وتجاوز الحمل حدود الطاقة البشريّة على الصبر والتحمّل.

ولعلّ هذه الصورة تختصر، ببلاغةٍ موجعة، حال الشعب اللبنانيّ اليوم؛ ذلك الشعب الذي يرزح منذ سنوات تحت أثقال الفقر والعوز والقهر والحرمان، ويكابد يوميًّا أزماتٍ متلاحقة تكاد تفوق قدرة البشر على الاحتمال. ففي كلّ يوم تُلقى على كاهله أعباء جديدة: انهيارٌ اقتصاديّ غير مسبوق، وغلاءٌ فاحش، وتدهورٌ مخيف في قيمة العملة، واحتكارٌ للدواء، وتفشٍّ للبطالة، وضياعٌ لحقوق الناس ومدّخراتهم، فضلًا عن أبوابٍ موصدة في وجه الشباب، وآفاقٍ قاتمة تكاد تخلو من بصيص الرجاء.

وما زاد المأساة فداحةً ذلك الانهيار الماليّ والأخلاقيّ الذي تسبّب به بعض السياسيّين، ممّن جعلوا مصالحهم الشخصيّة فوق مصلحة الوطن، وأغرقوا البلاد في مستنقع الفساد والمحسوبيّات والصفقات المشبوهة، حتّى تهاوت القيم قبل المؤسّسات، وضاعت ثقة المواطن بدولته وبمستقبل أبنائه. فبدا الوطن وكأنّه سفينةٌ تتقاذفها الأمواج وسط غياب الربّان، فيما الشعب يُترك وحيدًا في مواجهة العاصفة.

وهكذا، لم تكن الأزمات المتلاحقة سوى القشّة التي قصمت ظهر الشعب المنهك، بعدما أثقلته سنواتٌ طويلة من الوعود الكاذبة، والسياسات العقيمة، والصراعات الضيّقة على النفوذ والمكاسب، ولو كان الثمن انهيار وطنٍ بأكمله، ودفن أحلام أبنائه تحت ركام الخيبات.

غير أنّ الشعوب، مهما أثقلتها الجراح، لا تموت. فقد يترنّح الوطن تحت وطأة الأزمات، وقد تنكسر الأحلام حينًا، لكنّ إرادة الحياة تبقى أقوى من كلّ انهيار. ولبنان، الذي عبر محنًا لا تُحصى عبر تاريخه، لن يكون قدره السقوط ما دام في أبنائه من يؤمن بأنّ الأوطان لا تُبنى بالمصالح الضيّقة، بل بالتضحية والصدق والإخلاص. فالقشّة قد تقصم الظهر، لكنّها لا تستطيع أن تكسر إرادة شعبٍ تعلّم، عبر الألم، كيف يصنع من المعاناة رجاءً جديدًا.

جنوبيات
أخبار مماثلة