ليس الوطن فندقًا نغادره عند أول خلاف، ولا ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الخارجية، بل هو البيت الأخير الذي إن سقط، سقطنا جميعًا تحت أنقاضه. من هنا، يصبح الانتماء إلى لبنان فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا، والتزامًا وطنيًا يعلو فوق كل ولاء ضيق أو حساب فئوي.
لقد أنهكت الطائفية جسد الدولة، وفتّتت المذهبية روح المجتمع، حتى بات اللبناني أسير هويّاتٍ متناحرة تُضعف حضوره وتبدّد طاقاته. وما أخطر أن تتحوّل المصالح الخاصة إلى بوصلة، فنفقد الاتجاه، ونسمح لرياح الخارج أن تعبث بمصيرنا، تغذّي الانقسام وتؤجّج الفتن، سعيًا إلى وطنٍ هشٍّ يسهل التحكم به.
إن لبنان لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه، ولا يُحمى إلا بإرادتهم الجامعة. فلا مصلحة تعلو فوق مصلحة الوطن، ولا قضية تبرّر إشعال نار الفتنة بين أهله. المطلوب اليوم صحوة ضمير وطني، تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، حيث يكون القانون هو المرجع، والمواطنة هي الهوية، والعدالة هي الضامن الوحيد للاستقرار.
لبنان، هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير برسالته، لا يزال قادرًا على النهوض كلما صدقت نيات أبنائه. فيه من الجمال ما يستحق الحماية، ومن التاريخ ما يستحق الاستمرار، ومن الأمل ما يكفي لنكتب غدًا يليق بتضحياتنا.
لبنان أولًا، لا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل نهجًا يُترجم في السلوك اليومي، في السياسة كما في المجتمع. أن نضعه أولًا يعني أن نرفض أن نكون أدوات في مشاريع الآخرين، وأن نقطع الطريق على كل محاولة لزرع الشقاق بيننا. فإما أن نختار وطنًا يجمعنا، أو نُترك لخرابٍ يفرّقنا.
لبنان يستحق أن يكون أولًا… وأخيرًا.