ليس مقبولاً بعد اليوم أن يبقى استقلال القضاء في لبنان مجرّد عبارة تُردَّد في الخطب والبيانات، فيما هو في جوهره التزام دستوري صريح. فالمادة 20 من الدستور اللبناني لا تحتمل تأويلاً ملتبساً، إذ تنصّ على أنّ: «السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها… ويضمن القانون استقلال القضاة». وعبارة «يضمن القانون» ليست وعداً سياسياً قابلاً للتأجيل أو المساومة، بل تكليف تشريعي مُلزم يقع، قبل سواها، على عاتق السلطة التشريعية.
غير أنّ التجربة العملية كشفت عن خلل بنيوي عميق بين النص والتطبيق. فآلية التشكيلات القضائية، وإن صدرت في إطار قانوني شكلي، ما تزال خاضعة لتوازنات سياسية تُفرغها من مضمونها الحقيقي. كذلك، فإنّ البنية الإدارية والمالية للقضاء لا تزال مرتبطة عضوياً بالسلطة التنفيذية، الأمر الذي يحدّ من استقلاله الواقعي مهما حسنت النيّات.
أولاً: في التشكيلات القضائية
لا يمكن الحديث عن استقلال فعلي للقضاء ما لم تُحصر صلاحية اقتراح التشكيلات القضائية بمجلس القضاء الأعلى حصراً، وأن تصبح هذه التشكيلات نافذة حكماً بعد مهلة محدّدة، ما لم تُردّ بقرار معلّل تعليلاً قانونياً دقيقاً.
إنّ ربط مصير القاضي باعتبارات سياسية أو حسابات ظرفية يُصيب جوهر المادة 20 في الصميم، ويحوّل الاستقلال القضائي إلى شعار فاقدٍ للمضمون.
"اقتراح تشريعي": تعديل النصوص الناظمة لمجلس القضاء الأعلى بحيث تصبح قراراته المتعلقة بالتشكيلات مُلزمة، ويقتصر دور السلطة التنفيذية على إصدار المرسوم الشكلي ضمن مهلة دستورية محدّدة، تحت طائلة اعتباره نافذاً حكماً.
ثانياً: في الاستقلال المالي والإداري
إنّ قضاءً تُدرج موازنته ضمن موازنة وزارة خاضعة للسلطة التنفيذية، لا يمكن أن يبلغ تمام الاستقلال. فاستقلال القضاء لا يكتمل من دون استقلال مالي وإداري فعلي.
والمطلوب، في هذا المجال، إقرار موازنة مستقلة للسلطة القضائية تُدرج رقماً واحداً في الموازنة العامة، على أن يُترك لمجلس القضاء الأعلى أمر توزيعها وإدارتها وفق معايير الشفافية والمساءلة.
كما ينبغي دعم صندوق تعاضد القضاة مادياً ومعنوياً، باعتباره إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاجتماعي والإنساني للقاضي. فهذا الصندوق لا يمثّل مجرّد مؤسسة خدماتية، بل يشكّل ضمانة تحفظ كرامة القاضي وتُعينه على أداء رسالته باستقلال وطمأنينة. ويزيد من أهميته اليوم أنّه يُدار برئاسة قاضٍ من خيرة قضاة لبنان علماً وخلقاً، عُرف بحرصه الصادق على وضع القاضي الإنسان قبل أي اعتبار آخر، إيماناً منه بأنّ العدالة لا يحميها إلا قاضٍ مصون الكرامة، مطمئنّ النفس، محفوظ الحقوق.
"اقتراح تشريعي": استحداث نص قانوني يُكرّس مبدأ «الاستقلال المالي للقضاء»، أسوة بما هو معمول به في العديد من الأنظمة المقارنة، مع إخضاع الإنفاق لرقابة لاحقة من ديوان المحاسبة، بعيداً عن أي وصاية مسبقة.
ثالثاً: في الضمانات المعنوية والمادية للقاضي
القاضي الذي يُرهق مادياً، أو يُترك عرضة لحملات التشهير والضغط من دون حماية قانونية فعّالة، يصبح ضعيفاً في موقعه، مهما كان قوياً في ضميره.
إنّ تحسين أوضاع القضاة ليس مطلباً فئوياً أو ترفاً نقابياً، بل هو جزء لا يتجزأ من منظومة استقلال القضاء، لأنّ العدالة لا تستقيم إذا كان القاضي مهدَّداً في أمنه المادي أو المعنوي.
"اقتراح تشريعي": إعادة النظر في نظام التعويضات والتقديمات الاجتماعية للقضاة، وإنشاء هيئة مستقلة تُعنى بحمايتهم من الضغوط المعنوية والإعلامية، بالتوازي مع اعتماد آلية تأديبية شفافة تضمن المساءلة من دون المساس بالكرامة القضائية.
رابعاً: في مبدأ الفصل بين السلطات
إنّ المادة 16 من الدستور، التي تمنح السلطة التشريعية حق سنّ القوانين، والمادة 17 التي تنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، لا تكتملان إلا بصون المادة 20 وتفعيلها عملياً.
فالفصل بين السلطات ليس ترفاً نظرياً أو مادة أكاديمية، بل هو الشرط الجوهري لقيام الدولة الحديثة. وأي إخلال بهذا التوازن يضع النظام الدستوري بأكمله موضع الاهتزاز والشك.
وبعد أكثر من أربعين عاماً في رحاب العدالة، أقولها بوضوح: إنّ أزمة القضاء في لبنان ليست أزمة رجال، بل أزمة نظام يحتاج إلى شجاعة تشريعية وإرادة وطنية صادقة. فلا يكفي أن نثق بالقضاة، بل ينبغي أن نبني لهم نظاماً يحميهم من التأثير، ويحرّرهم من الحاجة، ويصون استقلالهم من كل تدخّل أو ارتهان.
وقد يقال إنّ الظروف السياسية لا تسمح بالإصلاح. لكنّ التجارب الكبرى أثبتت أنّ الإصلاح يبدأ دائماً بقرار فكري وأخلاقي، قبل أن يتحوّل إلى قرار سياسي. وحين يُدرك المشرّع أنّ استقلال القضاء هو الضمانة الأخيرة لبقاء الدولة، يتحوّل النص من حبر على ورق إلى حقيقة حيّة في الواقع.
إنّ لبنان لا تنقصه الكفاءات القضائية، بل ينقصه القرار الجريء بتحرير القضاء من القيود التي تكبّله. فإذا تحرّر القضاء، تحرّرت الدولة من الخوف، واستعاد المواطن ثقته بمؤسساته، وعاد ميزان العدالة مستقيماً.
ولعلّ اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تحدّيات وأزمات، تشكّل فرصة تاريخية لإطلاق ثورة تشريعية هادئة تعيد للقضاء هيبته، وللدستور روحه، وللبنان أمله.