رحم الله والدي، وجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنّة، فقد كان يردّد على مسامعي دائمًا هذه المقولة العميقة:
«المواقفُ تُغربل قائمةَ المعارف».
ففي هذه الحياة، يُتابعك بعض الناس ليتعلّموا منك الحكمة والخبرة، بينما يُتابع آخرون عثراتك في الخفاء، مترقّبين سقوطك في العتمة.
وكلا الفريقين معجب؛ غير أنّ الأوّل معجبٌ مُحبّ، أمّا الثاني فمعجبٌ حاسد.
لذلك، لا تهتمّ كثيرًا بمن يبدو رائعًا في البداية، بل اهتمّ بمن يبقى إلى جانبك رائعًا حتّى النهاية؛ ففي البدايات يتقن الجميع ارتداء الأقنعة الجميلة، أمّا المواقف فهي وحدها التي تكشف المعادن الحقيقية.
ومن أجمل نصائح العمر:
«مَن اختارك في زحمة علاقاته، فتمسّك به ما حييت».
إنّ المواقف وحدها كفيلة بأن تُغربل قائمة معارفك؛ فهي تمحو من حياتك أناسًا لم يكونوا سوى عابرين، وتُدخل إليها آخرين يستحقّون البقاء. فليس كلّ من اقترب صادقًا، ولا كلّ من ابتعد خائنًا، ولكنّ الأيّام كفيلة بأن تضع كلّ إنسان في مكانه الحقيقي داخل القلب والذاكرة.
إنّنا نصغر عشرين عامًا بكلّ كلمة طيّبة تُقال لنا، ونكبر ألف عام مع كلّ كلمة جارحة تثقل أرواحنا بأوجاع السنين. ومخطئٌ من يظنّ أنّ الكلام يُقال عبثًا؛ فالإنسان كائن هشّ، قد ترفعه كلمة صادقة إلى السماء، وقد تهوي به كلمة قاسية إلى الأرض.
وقد صدق الحكيم حين قال:
«أحسنْ إلى مَن شئتَ تكنْ أميره،
واستغنِ عمّن شئتَ تكنْ نظيره،
واحتجْ إلى مَن شئتَ تكنْ أسيره».
وليس البكاء دائمًا دليل ضعف، فالناس يبكون أحيانًا لأنّهم ظلّوا أقوياء لمدّة طويلة، حتّى أثقل التعب أرواحهم، وضاقت صدورهم بما كتموه من ألم.
وما أحوجنا اليوم إلى القلوب الصافية، والكلمات الطيّبة، والمواقف النبيلة؛ فالدنيا لا تُقاس بكثرة المعارف، بل بصدق الأوفياء الذين يبقون إلى جانبنا حين تتبدّل الوجوه وتتغيّر الظروف. فالسعيد حقًّا هو من يترك في القلوب أثرًا جميلًا، ويغادر الحياة بسيرة طيّبة ودعوة صادقة.
اللهمّ اجعل رصيدنا في الدنيا والآخرة حبّك، وحبّ من يحبّك، وحبّ عملٍ صالح يقرّبنا إلى حبّك.
اللهمّ لا تستدرجنا بالنعم، ولا تفاجئنا بالنقم، ولا تجعلنا عبرةً للأمم، وجُد علينا بفضلك، فأنت أهل الجود والكرم.
كفانا الله وإيّاكم شرّ حاسدٍ إذا حسد، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.