24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "شراكة الصمت"!
"شراكة الصمت"!
القاضي م جمال الحلو
2026-05-28
"شراكة الصمت"!

في الأزمنة المضطربة، لا يكون الخطر الأكبر في ارتفاع الأصوات، بل في انطفائها. إذ حين يعتاد الناس مشهد الألم، ويتحوّل الخبر الفاجع إلى رقمٍ عابرٍ في شريطٍ إخباري، يصبح الصمتُ شريكًا خفيًّا في صناعة المأساة. ولسنا اليوم أمام نقصٍ في المعلومات، بل أمام فائضٍ منها؛ غير أنّ هذا الفائض، بدل أن يوقظ الضمائر، قد يُرهقها حتى تبلغَ حدَّ التبلّد. وهنا يبرز السؤال الملحّ: ما مسؤوليتنا الأخلاقية إزاء ما نرى ونسمع؟ وهل يكفي أن نحزن سرًّا، أم أنّ الواجب يقتضي فعلًا يبدّد هذا الصمت؟

لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل حضورنا في الفضاء العام. صرنا شهودًا دائمين على وقائع تتجاوز حدود الجغرافيا، نطالع صورًا ومقاطع تُجسّد آلام البشر، ونضغط زرّ «الإعجاب» أو «المشاركة» ظنًّا أنّنا أدّينا قسطًا من الواجب. غير أنّ المشاركة الافتراضية، مهما كانت نيّتها صادقة، لا تُغني عن مبادرةٍ ملموسة تُترجم التعاطف إلى تضامن، والكلمة إلى موقف. فالفرق شاسع بين أن نتأثّر لحظةً، وأن نلتزم قضيةً.

إنّ التبلّد الاجتماعي ليس عيبًا فرديًّا فحسب، بل هو نتاج بيئةٍ تُطبّع الأزمات وتُشيع ثقافة النجاة الفردية على حساب الصالح العام. حين يتكرّر العنف، وتستمرّ الأزمات الاقتصادية، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، يميل الناس إلى الانكفاء دفاعًا عن ذواتهم. غير أنّ هذا الانكفاء، وإن بدا مفهومًا، يهدّد النسيج الاجتماعي من حيث لا نشعر. فالمجتمع لا يقوم على تعاقدٍ قانونيٍّ فحسب، بل يقوم أيضًا على تعاطفٍ متبادل يُشعر كلّ فردٍ بأنّ له ظهرًا يستند إليه.

من هنا، فإنّ استعادة الحسّ الجمعي تبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية المشتركة. ليست المسؤولية حكرًا على الدولة أو النخب أو المنظمات، بل هي شبكة من الأدوار المتداخلة. المعلّم في صفّه، والصحافي في قلمه، ورجل الدين في منبره، والفنان في لوحته، وربّة الأسرة في بيتها، كلّهم شركاء في تشكيل الوعي العام. حين يختار أحدهم أن يقول كلمة حقٍّ في وجهِ ظلمٍ، أو أن يمدّ يد العون لمحتاج، فإنّه يوسّع دائرة النور، ولو بقدر شمعة.

ولعلّ أخطر ما يُهدّد مجتمعاتنا هو اعتياد اللامبالاة. فاللامبالاة لا تصرخ، لكنها تتسلّل بهدوءٍ إلى تفاصيل الحياة اليومية: في تجاوز مخالفةٍ لأنّ «الأمر بسيط»، وفي غضّ الطرف عن تنمّرٍ لأنّ «الأطفال يتشاجرون»، وفي تبرير فسادٍ لأنّ «الجميع يفعل ذلك». غير أنّ تراكم هذه «البسائط» يصنع واقعًا ثقيلًا يُكبّل الأجيال. إنّ الأخلاق العامة لا تنهار دفعةً واحدة، بل تتآكل حين نقبل بالقليل من الخطأ مرارًا.

إنّ مسؤوليتنا الأخلاقية لا تعني البطولة الخارقة، بل الالتزام اليومي البسيط. أن نُصغي لمن حولنا، وأن نرفض خطاب الكراهية، وأن نُربّي أبناءنا على احترام الاختلاف، وأن نُساند المبادرات المجتمعية، وأن نُحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب غيرنا. فالتغيير لا يبدأ بخطاباتٍ رنّانة، بل بسلوكٍ متّسق بين القول والفعل. وما أحوجنا إلى هذا الاتساق في زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلّت فيه القدوات.

كما أنّ للمؤسسات الإعلامية دورًا مفصليًّا في كسر حلقة التبلّد. فالإعلام ليس مجرّد ناقلٍ للخبر، بل صانعٌ للسياق الذي يُفهم فيه الخبر. حين يُضاء على قصص النجاح المجتمعي، وعلى مبادرات التضامن، تُعاد صياغة المخيّلة الجماعية نحو الأمل والعمل، لا نحو العجز والاستسلام. إنّ الصحافة المسؤولة تُذكّرنا بأنّ وراء كل رقمٍ إنسانًا، وبأنّ لكل قضية وجهًا وحكاية.

في نهاية المطاف، لسنا معذورين بالصمت. قد لا نملك تغيير العالم دفعةً واحدة، لكنّنا نملك أن نرفض التواطؤ مع الخطأ، وأن نُبقي جذوة الضمير حيّة. فالمجتمعات التي تنجو ليست تلك التي تخلو من الأزمات، بل تلك التي تملك شجاعة المواجهة، وروح التضامن، وإرادة الإصلاح. وحين نُدرك أنّ الصمت في وجه الظلم لونٌ من ألوان المشاركة فيه، يصبح الكلام فعلَ حياة، ويغدو الموقف بدايةَ طريق.

إنّ مسؤوليتنا الأخلاقية ليست عبئًا يُثقل كواهلنا، بل فرصةٌ لنستعيد إنسانيتنا المشتركة. ففي عالمٍ يتسارع نحو الفردية، يبقى التراحم هو الجسر الذي يعبر بنا من العزلة إلى المعنى. وإذا كان الصمتُ في بعض المقامات حكمةً، فإنّه في مقام الحقّ شراكةٌ في الباطل. فلنختر أن نكون شهودًا على العدل، لا متفرّجين على الألم؛ فبهذا وحده يُصان المجتمع، وتُصان كرامة الإنسان.

جنوبيات
أخبار مماثلة