24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "القاضي في بلادي"!
"القاضي في بلادي"!
القاضي م جمال الحلو
2026-06-01
"القاضي في بلادي"!

القاضي، بصورة عامّة، هو شخص يحكم بين المتنازعين وفقًا للقانون، وتتعدّد صلاحيّاته تبعًا للاختصاص الممنوح له. ويتمتّع كذلك بضمانات واسعة ومقدّسة، صونًا لحياده واستقلاله.

أمّا أن تكون قاضيًا في بلادي، فيعني أن تقبل بالمتمّمات التي تلازم هذه الصفة.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تعلم أنّك قد تموت على قوس المحكمة، أو كأيّ مواطنٍ آخر، بانفجار كان يمكن تفاديه، وإذا نجوت، يصبح لقب "القاضي الشهيد" قاب قوسين أو أدنى منك.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تضحّي بأبسط شروط العمل المنصوص عليها في الاتّفاقيّات الدوليّة لحقوق الإنسان.

هو أن تُفجَّر العاصمة ويُهدَّم قصر عدلها من دون أن يلتفت أحد إلى إصلاحه، فيبادر القضاة إلى ترميم الأضرار على نفقتهم الخاصّة، من خلال راتب زهيد لا يقبل به أيّ قاضٍ في بلادٍ أخرى، وذلك اتّقاءً للمطر والبرد. أمّا من ينتظر أن تبادر الجهات المسؤولة إلى الإصلاح، فعليه أن يضحّي بكرامته. نعم، بكرامته... إذ قد يُضطرّ إلى العمل بين روث الحيوانات التي اتّخذت من بعض المكاتب المفتوحة ملجأً لها؛ مكاتب لا يمكن تنظيفها لأنّه، ببساطة، لا مياه في قصر العدل. وهذه مشكلة لا يُلام عليها الانفجار، لأنّها، للأسف، ملازمة لصفة "قصر العدل" في بلادي.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تقبل بواقعٍ قد لا يكون لك فيه مكتبٌ خاصّ تعمل فيه، فتتناوب مع زملائك على المكتب نفسه.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو ألّا تجد قاعةً أو قوسًا لعقد الجلسات، فتُضطرّ إلى انتظار انتهاء جلسات زملائك.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تجلب معك العدّة اللازمة لاستعمالها إذا أمطرت السماء داخل مكتبك.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تطالب كلّ يوم بقانونٍ يضمن استقلاليّة السلطة القضائيّة، وأن تعلم في الوقت نفسه أنّه لن يبصر النور، مفضّلًا النوم في الأدراج إلى جانب مرسوم التشكيلات.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تعلم أنّ الدستور يكرّس مؤسّستك سلطةً من السلطات الثلاث، ولكنّ الواقع يرفض الاعتراف بذلك.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تُهدَّد كلّ يوم في راتبك، وفي ضماناتك الأساسيّة، وهي أصلًا متواضعة إذا ما قورنت بما يتمتّع به القضاة في الدول الأخرى.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تُهان يومًا بعد يوم، من دون أن تستطيع الردّ، التزامًا بمقتضيات التحفّظ، فتدير خدّك الأيسر، وتحمل وزر ما لم تقترفه.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن يحاربك بعض السياسيّين وأزلامهم في القضاء، وهم قلّة، فتتحمّل الأكثريّة نتائج أفعال الأقليّة.

أن تكون قاضيًا في بلادي، هو أن تكون انتحاريًّا في زمنٍ تتربّص فيه الجوائح بحياتك وحياة من حولك.

أن تتولّى رسالة القضاء في بلادي، هو أن تدرك تمامًا معنى أن تكون قاضيًا في بلادي، وألّا تجد من يمدّ لك يد العون لتغيير هذا المعنى.

أن تكون قاضيًا في بلادي... هو، باختصار، أن تكون بطلًا.

ويبقى السؤال...

ألم تتعب، أيّها القاضي في بلادي؟ ألم يحن الوقت لتتنازل عن كبريائك، وعن دور البطولة، وتصبح كأيّ قاضٍ في بلادٍ أخرى؟

لكنّ الحقيقة المرّة أنّ القاضي الذي يصمد في وجه هذا كلّه، ويحمل رسالته رغم الإهمال والخذلان، لا يفعل ذلك طلبًا للبطولة ولا بحثًا عن المجد، بل إيمانًا بأنّ العدالة لا تُقاس بما يُمنح لها من إمكانات، بل بما يبذله رجالها من وفاءٍ لها. فتبقى المحاكم قائمة ما دام فيها قاضٍ يؤمن برسالته، وتبقى الدولة حيّة ما دام فيها قضاءٌ يرفض أن يموت.

جنوبيات
أخبار مماثلة