24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الرِّماحُ المُجتمعة"!
"الرِّماحُ المُجتمعة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-06-06
"الرِّماحُ المُجتمعة"!

يُروى أنَّ المهلَّب بن أبي صُفرة، لمّا أشرف على الوفاة وأحسَّ بدنوِّ الأجل، استدعى أبناءه السبعة على عجل. فلمّا حضروا، أمرهم أن يأتوا برماحهم مجتمعة، ثم طلب إليهم أن يكسروها. فحاولوا جاهدين، لكنَّ أحدًا منهم لم يستطع كسرها وهي مجتمعة.

فقال لهم: فرِّقوها، وليأخذ كلُّ واحدٍ منكم رمحه. فلمّا فعلوا، كسر كلُّ واحدٍ رمحه بسهولة ويسر.

عندئذٍ قال لهم: "اعلموا أنَّ مثلكم كمثل هذه الرماح؛ فما دمتم مجتمعين متآلفين، يعضد بعضكم بعضًا، فلن ينال منكم عدوّ، ولن يجد إلى إضعافكم سبيلًا. أمّا إذا دبَّ الخلاف بينكم وتفرّقتم، فإنَّ قوّتكم تضعف، ويتمكّن منكم أعداؤكم، ويصيبكم ما أصاب هذه الرماح."

ثم أردف قائلًا:

"كونوا جميعًا يا بَنِيَّ إذا اعترى خطبٌ
ولا تتفرّقوا آحادًا

تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسُّرًا
وإذا افترقن تكسَّرت أفرادًا"

نعم، أيّها الأكارم، ما أحوجنا اليوم إلى رأب الصدع الذي أنهك الأمّة وأوهن بنيانها، حتى غدت متفرّقة القوى، مشتَّتة الصفوف، تتنازعها الخلافات وتستنزفها الانقسامات.

فأين نحن من ذلك الحلم الذي صدح به الشعراء، واستقرّ في وجدان الأجيال:

بلادُ العربِ أوطاني
من الشامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يمنٍ
إلى مصرَ فتطوانِ

إنَّ الأمم لا تنهض بالتفرّق، ولا تبني مجدها بالخصومات، وإنما ترتقي حين تجعل وحدتها فوق مصالحها الضيّقة، وتدرك أنَّ ما يجمعها أكبر ممّا يفرّقها. فالتاريخ شاهدٌ على أنَّ القوّة في التآزر، وأنَّ الضعف يبدأ من لحظة التنازع والتشتّت.

ولعلَّ العبرة الخالدة في قصة الرماح ليست موجَّهة إلى أبناء المهلَّب وحدهم، بل إلى كلِّ جماعةٍ وأمّةٍ وشعب؛ فالاتحاد مصدر المنعة، والتكافل أساس البقاء، والتفرّق بابٌ يتسلّل منه الوهن إلى النفوس والأوطان.

فلنتمسّك بما يجمعنا، ولنُعلِ صوت الحكمة فوق ضجيج الخلاف، عسى أن يأتي يومٌ تلتئم فيه الجراح، وتزول أسباب الفرقة، وتعود إلى القلوب طمأنينتها، وإلى الأمّة قوّتها، وإلى الأوطان بهجتها.

جنوبيات
أخبار مماثلة