ما ذنبُ اللبناني؟
أأنّه وُلد على ضفاف البحر، فصار الموج شاهدًا على دموعه؟
أم أنّه أحبّ الحياة أكثر مما ينبغي، فعوقب بأن تُنتزع منه كلّما همَّ بترميمها؟
منذ عام 1975، يوم اشتعلت الحرب الأهلية في لبنان، لم يعد الزمن يُقاس بالسنوات، بل بالجراح.
خمسة عقود من التقلّبات والانكسارات، ومن الوعود التي كُتبت بالحبر ثم مُحيت بالدم.
ما ذنبه؟
أأنّه وُلد في وطنٍ عاصمته بيروت، المدينة التي كانت تُلقّب بباريس الشرق، فإذا بها تتحوّل إلى سجلٍّ مفتوحٍ لأحزان الشرق؟
أأنّه تعلّم في مدارسها معنى التنوّع، فإذا بالتنوّع نفسه يُشوَّه ويُحوَّل إلى ساحة صراع واقتتال؟
خمسون عامًا...
جيلٌ وُلد على هدير القذائف، وكبر على أزيز المولّدات، وحلم على ضوء شمعة.
جيلٌ رأى عملته الوطنية تتهاوى، ومدّخراته تتبخّر، والمصارف تُغلق أبوابها في وجه أعمار الناس، والبحر يتحوّل من نافذة أمل إلى طريقٍ للهجرة والرحيل.
ما ذنب الأم التي دفنت ابنها مرتين؟
مرةً في الحرب، ومرةً حين ابتلعته الغربة في مطارات العالم.
وما ذنب الأب الذي أفنى عمره في العمل، ليكتشف أن سنوات تعبه قد تلاشت في أرقامٍ جامدة على شاشة مصرف؟
أيها العالم...
لبنان ليس خبرًا عابرًا في نشرة أخبار.
وليس صورة انفجار تُبثّ ثم تُنسى.
وليس ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات.
إنه شعبٌ يريد أن يعيش فحسب.
أن يستيقظ صباحًا بلا خوف.
أن يخطّط لغده بلا قلق.
أن يثق بأن تعبه لن يُسرق، وأن صوته لن يُختطف، وأن مستقبله لن يبقى رهينة الأزمات.
منذ عام 1975 وحتى اليوم، تعاقبت الحروب والوصايات والانقسامات والانهيارات الاقتصادية.
تغيّرت الوجوه، وبقي الوجع.
وتبدّلت الشعارات، وبقي السؤال نفسه:
ما ذنب اللبناني؟
أذنب لأنه آمن بكل عهدٍ جديد؟
لأنه اقترع؟
لأنه انتظر؟
لأنه صبر أكثر مما يحتمل البشر؟
نصف قرنٍ من القهر يكفي ليجعل الحجر يصرخ.
لكن اللبناني لم يتحوّل حجرًا.
ظلّ يغنّي ويكتب ويبني ويضحك في قلب المأساة، كأنّه يعلن في وجه القدر أنّه يرفض أن يكون الضحية الأبدية.
أيها العالم...
إن كنتم تبحثون عن معجزة، فانظروا إلى هذا الشعب.
كلّما سقط نهض.
وكلّما انكسر التأم.
وكلّما ضاقت به السبل، ابتكر للحياة منفذًا جديدًا.
لكن حتى المعجزات تُرهَق.
خمسون عامًا ليست رقمًا عابرًا.
إنها أعمارٌ كاملة أُنفقت في الانتظار:
انتظار دولةٍ تحمي ولا تستغل.
وقضاءٍ يُنصف ولا يُقيَّد.
ووطنٍ يكون وطنًا حقًّا، لا مجرّد حلمٍ مؤجَّل.
ما ذنب اللبناني؟
أأنّه أراد وطنًا يشبه أحلامه لا كوابيسه؟
لقد آن لهذا السؤال أن يتجاوز الحدود.
وآن للعالم أن يرى في لبنان شعبًا لا ساحةً، وإنسانًا لا رقمًا، وأملًا لا أزمة.
وحتى يأتي الجواب، سيبقى اللبناني يسأل...
لا ليبكي على أطلال ما مضى،
بل ليوقظ ضمير هذا العالم:
ما ذنب اللبناني؟