سلامٌ على النبطية.. مدينة الوجدِ الممزوجِ بالصمود، والدمعةِ التي تحولت إلى قبضة. هي ليست مجرد جغرافيا يُحاصرها الحقد، بل هي نبضُ الجنوب، وعاصمة الصبر التي تعلّمت من كربلاء كيف تحوّل الحزن الحادّ إلى كبرياء ووقار. في أزقتها التي تفوح بعبق التاريخ، وفي ساحاتها التي لا تزال تحتفظ بأصداء صرخات عام 1983، ثمّة سرٌّ من الوفاء لا يفهمه الغزاة.
اليوم، مع هلال المحرّم، تلتحفُ المدينة السواد وهي مثقلة بالجراح.. بيوتها تئنّ تحت القصف، وبعضُ أهلها تشرّدوا عن عتباتها الغالية، لكن روحها أبداً لا تنكسر. يقف العدو على أبوابها يظن أن النار ستمحو هويتها، وغاب عن باله أن النبطية لا تُهزم؛ ففي عيون أمهاتها المنتظراتِ صبرٌ يهدّ الجبال، وفي قلوب أبنائها المرابطين بأسٌ استمدّوه من تُرابها المقدّس. ستبقى النبطية، رغم الدمار والنزوح والوجع، منارة الكرامة التي تُشرق بدم الشهداء لتطرد ليل الحصار.
هي النبطية، كانت ولا تزال، حكايةُ مواجهةٍ لم تتوقف فصولها. بين محرم 1983 ومحرم 2026 يمتدّ فصلٌ من الصمود لم ينقطع. يطلّ العام الهجري الجديد والنبطية في قلب استهداف العدو الإسرائيلي الذي يحاول محاصرتها والنيل من صمودها، في سلوكٍ ينمّ عن ثأرٍ تاريخي لم يطوه الزمن. فالاحتلال الذي يقف حالياً على أبواب المدينة لم ينسَ يوماً مواجهة عاشوراء الشهيرة التي شكّلت إحدى أولى شرارات الانتفاضة الشعبية بوجهه. واليوم، إذ يعيد التاريخ نفسه في الميدان، تبدو النبطية متمسكةً بذات المعادلة: الرمزية الدينية التي تتحول إلى فعل مقاومة يتكسّر عنده جبروت الاحتلال.
في السادس عشر من تشرين الأول/أكتوبر 1983، الموافق للعاشر من محرم 1404 هـ، شهدت مدينة النبطية واحدةً من أبرز محطات المواجهة الشعبية مع الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. ففي أثناء إحياء مراسم عاشوراء، وبينما كانت الحشود تملأ الساحة الرئيسية للمدينة، حاولت دورية عسكرية إسرائيلية مؤلفة من عددٍ من الشاحنات وسيارات الجيب اختراق التجمعات الشعبية وعبور المدينة، متجاهلةً حساسية المناسبة الدينية وكثافة المشاركين فيها.
اعتبر الأهالي هذا السلوك استفزازاً مباشراً لمشاعرهم الدينية والوطنية، وسرعان ما تحولت حالة الغضب إلى مواجهة مفتوحة. أحاطت الحشود بالدورية العسكرية، وانهالت عليها بالحجارة والعصي، قبل أن تتطور الأحداث إلى قلب إحدى الشاحنات العسكرية وإضرام النار فيها وفي عددٍ من الآليات الأخرى التابعة للدورية.
وسط الحشود الغاضبة التي أحاطت بهم من كل الجهات، وجد جنود الاحتلال أنفسهم في موقفٍ غير مسبوق. ومع تصاعد المواجهة، لجأوا إلى إطلاق النار بصورة عشوائية لتأمين انسحابهم، ما أدى إلى سقوط الشهيدين محمد علي ديراني وأحمد كحيل، إضافةً إلى إصابة عددٍ من المواطنين بجروح متفاوتة.
وقد اكتسبت حادثة عاشوراء النبطية أهميةً استثنائيةً في الذاكرة الوطنية اللبنانية، لأنها أسهمت في كسر حاجز الخوف لدى المواطنين، وأكدت أن الاحتلال لن يُواجَه فقط بالعمليات العسكرية المنظمة، بل أيضاً بإرادةٍ شعبيةٍ رافضةٍ لوجوده. كما دفعت هذه المواجهة القيادة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في أسلوب انتشار قواتها داخل المدن والبلدات الجنوبية، بعدما تبيّن لها أن السيطرة العسكرية لا تكفي لضمان القبول الشعبي.
ومنذ ذلك اليوم، تحولت عاشوراء النبطية إلى رمزٍ لتلاقي البعدين الديني والوطني في تجربة المقاومة اللبنانية، وأصبحت مثالاً على قدرة المناسبات الدينية على التحول إلى محطات نضالية تُعبّر عن رفض الاحتلال ومواجهته.
واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على تلك الأحداث، تعود النبطية إلى واجهة الاستهداف الإسرائيلي. وبين محرم 1983 ومحرم 2026، تبدلت الظروف وتغيرت الأدوات، لكن جوهر المشهد بقي واحداً: مدينة ترفض الخضوع، وتحمل في ذاكرتها عاشوراء المواجهة، وتواصل كتابة فصول الصمود في وجه الاحتلال.
هي النبطية، حيث لا تُقاس الأعوام بالتقويم وحده، بل بما تتركه التضحيات من أثرٍ في الذاكرة، وما يزرعه الشهداء من نورٍ في دروب الأحياء. هنا، حيث يمتزج الوجع بالعزة، وحيث يتحول الحداد إلى موقف، تبقى النبطية وفيةً لرسالتها: أن الكرامة لا تُستعار، وأن الأوطان تُصان بالصبر كما تُصان بالتضحيات. هنا، حيث يمرّ التاريخ من بين الأزقة والساحات، لا تموت الحكايات، بل تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، كما تتوارث الأرض أسماء شهدائها ووصايا رجالها.
سلامٌ على النبطية… مدينة الوجد الممزوج بالصمود، والدمعة التي تحولت إلى قبضة، والساحات التي حفظت صدى عاشوراء جيلاً بعد جيل. سلامٌ عليها وهي تنزف ولا تنكسر، وتتألم ولا تستسلم، وتنهض كلما ظنّ أعداؤها أنها تعبت. سلامٌ على النبطية، يوم كانت الحجارة لغة الأحرار، ويوم كان الحداد موقفاً، ويوم صار الصبر فيها وجهاً آخر للكرامة. سلامٌ على النبطية، نبض الجنوب، وعاصمة الصبر، وحكاية الوفاء التي لا تنتهي. سلامٌ على النبطية.