24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة لماذا لم تُعلن إيران معادلة "الضاحية مقابل الشمال الفلسطيني المحتل" خلال حرب 2024؟
لماذا لم تُعلن إيران معادلة "الضاحية مقابل الشمال الفلسطيني المحتل" خلال حرب 2024؟
العميد محمد الحسيني
2026-06-19
لماذا لم تُعلن إيران معادلة "الضاحية مقابل الشمال الفلسطيني المحتل" خلال حرب 2024؟

شكّل الموقف الإيراني من الحرب في لبنان بين عامي 2024 و2026 مؤشراً على تحوّل مهم في مقاربة طهران لإدارة الصراع الإقليمي وأدوات الردع المرتبطة به. فبينما امتنعت إيران خلال حرب 2024 عن إعلان معادلة ردعية مباشرة تربط استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت باستهداف مناطق داخل إسرائيل، برزت في حزيران/يونيو 2026 معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» بوصفها إعلاناً صريحاً عن قواعد اشتباك جديدة. ويشير هذا التحول إلى تغيرات أعمق من مجرد تبدل في الظروف الميدانية، إذ ارتبط بإعادة تقييم البيئة الاستراتيجية الإقليمية، وبمراجعة أسس العقيدة الأمنية الإيرانية، وبالتحولات التي طرأت على بنية الحلفاء وآليات إدارة الصراع.
وتعود الأسباب الرئيسة لعدم إعلان إيران هذه المعادلة خلال حرب عام 2024 وإعلانها في عام 2026 إلى مجموعة من العوامل المترابطة التي أعادت صياغة مفهوم الردع الإيراني في المنطقة.
ـ أولاً: الانتقال من الردع بالوكالة إلى الردع المباشر
في عام 2024 كانت إيران تنظر إلى حزب الله بوصفه فاعلاً يمتلك القدرة العسكرية والقيادية الكافية لإدارة المواجهة مع إسرائيل بصورة مستقلة نسبياً، الأمر الذي أتاح لطهران الاكتفاء بدور الداعم والمساند من الخلف وتجنب الانخراط المباشر في المواجهة. أما بحلول عام 2026، فإن الضربات التي استهدفت البنية القيادية والتنظيمية للحزب دفعت إيران إلى اعتبار أن حماية أحد أهم أركان منظومة نفوذها الإقليمي لم تعد ممكنة عبر آليات الردع غير المباشر وحدها، ما أدى إلى تبني سياسة ردع أكثر وضوحاً تربط أمن الضاحية الجنوبية مباشرة بأمن شمال إسرائيل.
ـ ثانياً: تبدل العقيدة الأمنية الإيرانية
خلال عام 2024 خضع السلوك الإيراني لعقيدة «الصبر الاستراتيجي»، القائمة على احتواء الضغوط وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. غير أن التطورات اللاحقة أفضت إلى بروز مقاربة مختلفة تقوم على مفهوم «الدفاع المتقدم» و«المواجهة بالمثل»، بحيث بات استهداف أحد المراكز الحيوية للحلفاء الإقليميين يُنظر إليه باعتباره مساساً مباشراً بالأمن الاستراتيجي الإيراني. ومن هذا المنطلق جاءت معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» كتجسيد عملي لهذا التحول العقائدي.
ـ ثالثاً: تأثير الاغتيالات وتغير بنية القيادة
لم تقتصر تداعيات الاغتيالات والضربات التي طالت شخصيات وقيادات مؤثرة خلال العام 2026 على خسارة شخصيات قيادية بارزة، بل امتدت إلى إحداث تحولات في بنية صنع القرار السياسي والعسكري. فالقيادات التي أدارت مرحلة عام 2024 كانت تميل إلى البراغماتية وإدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة، في حين ساهمت الصدمة الناتجة عن تلك الاغتيالات في صعود توجهات أكثر تشدداً رأت أن استمرار سياسة ضبط النفس قد يقلص فاعلية الردع ويشجع الخصوم على توسيع نطاق عملياتهم. وعليه، أصبح إعلان معادلة ردعية واضحة وسريعة وسيلة لإثبات قدرة القيادة الجديدة على فرض خطوط حمراء واستعادة هيبة الردع.
ـ رابعاً: تراجع فعالية نموذج الحروب بالوكالة
في عام 2024 كانت أدوار أطراف المحور موزعة بصورة واضحة؛ إذ تولت إيران الدعم والتنسيق الاستراتيجي، بينما اضطلع حزب الله بإدارة المواجهة الميدانية في الساحة اللبنانية. إلا أن الضربات التي تعرضت لها البنية القيادية للمحور خلال عام 2026 أضعفت فعالية هذا النموذج، وأدت إلى انتقال مركز اتخاذ القرار بصورة أكبر إلى طهران، بحيث أصبحت المعادلات الاستراتيجية تُصاغ وتُعلن مباشرة من قبل القيادة الإيرانية بدلاً من الاكتفاء بإدارتها عبر الحلفاء المحليين.
ـ خامساً: ارتباط المعادلة بالتفاهمات الإقليمية وتسريع مسار التفاوض
لم تظهر معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» في سياق معزول، بل ترافقت مع حراك سياسي وإقليمي أوسع أعاد ترتيب أولويات الأطراف المنخرطة في الصراع. وفي هذا الإطار، سعت إيران إلى ربط الساحة اللبنانية بالترتيبات الإقليمية الشاملة، ومنع التعامل معها بوصفها جبهة منفصلة يمكن عزلها عن بقية ملفات المنطقة.
وقد حملت المعادلة رسالة مفادها أن أي استهداف واسع للبنان أو للضاحية الجنوبية لن يُنظر إليه كحدث محلي محدود، بل كجزء من معادلة أمنية إقليمية أوسع تمس التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. كما أسهمت في رفع كلفة استمرار الحرب وتوسيع احتمالات انتقالها إلى مستويات إقليمية أكثر خطورة، الأمر الذي عزز الشعور بالإلحاح لدى مختلف الأطراف ودفعها إلى البحث عن أطر سياسية وأمنية تحول دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المعادلة بوصفها أحد العوامل التي ساهمت في تهيئة البيئة السياسية والأمنية لتسريع التفاهمات بين طهران وواشنطن، إذ وفّرت لإيران ورقة ضغط إضافية عززت موقعها التفاوضي، وفي الوقت نفسه دفعت الولايات المتحدة إلى التعامل مع التسوية باعتبارها خياراً أقل كلفة من استمرار التصعيد. وعليه، لم تكن المعادلة نتيجة للتفاهمات الإقليمية فحسب، بل أصبحت أيضاً عاملاً مؤثراً في تسريع مسارها وترسيخ الحاجة إليها.
ومن منظور أوسع، يمكن اعتبار معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» جزءاً من عملية إعادة هندسة بيئة الصراع الإقليمي أكثر من كونها مجرد قاعدة ردعية ميدانية. فالمعادلة لم تستهدف فقط منع استهداف الضاحية الجنوبية أو تعزيز حماية الحليف اللبناني، بل هدفت أيضاً إلى إعادة تعريف حدود التصعيد المقبول ورفع كلفة الخيارات العسكرية أمام مختلف الأطراف. وبهذا المعنى، شكّلت المعادلة جسراً بين مرحلتين: مرحلة اتسمت بإدارة الصراع عبر الحلفاء والاشتباكات الموضعية، ومرحلة جديدة أصبح فيها الردع المباشر والتفاوض الإقليمي وجهين متكاملين لاستراتيجية واحدة. لذلك يمكن النظر إليها بوصفها أداة لإعادة بناء التوازنات الإقليمية بقدر ما كانت وسيلة لإعادة بناء الردع العسكري.
في الخلاصة، يمكن القول إن امتناع إيران عن إعلان معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» خلال حرب عام 2024 كان انعكاساً لاستراتيجية تقوم على الاحتواء والردع غير المباشر وإدارة الصراع عبر الحلفاء، في ظل قناعة بإمكانية استمرار هذا النموذج دون انخراط إيراني مباشر. أما إعلان المعادلة في حزيران/يونيو 2026 فقد عكس تحولات أعمق في البيئة الاستراتيجية الإقليمية، شملت تراجع فعالية الردع بالوكالة، وتغير بنية القيادة وصناعة القرار، وتبدل العقيدة الأمنية من «الصبر الاستراتيجي» إلى «الردع المباشر»، فضلاً عن ارتباط الساحة اللبنانية بتوازنات إقليمية أشمل.
كما لم تكن معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» مجرد تعبير عن تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية، بل شكلت أيضاً أداة ضغط سياسية واستراتيجية أسهمت في رفع كلفة استمرار الحرب وتعزيز الحاجة إلى تسويات إقليمية تحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المعادلة بوصفها عاملاً ساهم في تهيئة البيئة السياسية والأمنية التي سرعت مسار التفاهمات الإقليمية، بالتوازي مع سعي طهران إلى إعادة بناء منظومة الردع وفرض قواعد اشتباك جديدة تتناسب مع المتغيرات التي شهدتها المنطقة.
وعليه، فإن معادلة «الضاحية مقابل الشمال الإسرائيلي» لا تمثل مجرد رد فعل على تطورات ميدانية محددة، بل تعكس انتقالاً أوسع في التفكير الاستراتيجي الإيراني من إدارة الصراع عبر الحلفاء إلى السعي لربط الساحات الإقليمية ضمن منظومة ردع موحدة. ومن هذا المنظور، فإن السبب الجوهري لعدم إعلان هذه المعادلة خلال حرب عام 2024 وإعلانها في عام 2026 لا يكمن في تغير الظروف الميدانية اللبنانية وحدها، بل في التحول الذي أصاب العقيدة الأمنية الإيرانية وبنية صنع القرار وآليات إدارة الصراع الإقليمي. وبذلك يمكن النظر إلى المعادلة بوصفها تعبيراً عن مرحلة استراتيجية جديدة انتقلت فيها طهران من التركيز على احتواء التصعيد إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وربط مسارات الحرب والتفاوض ضمن إطار ردعي واحد.

رأي اليوم
أخبار مماثلة