كان "سليم" رجلاً اعتاد أن يركض خلف كل شيء إلا نفسه. يستيقظ كل صباح على عجلة، يطارد المواعيد، يجمع النجاحات، ويحسب قيمة أيامه بعدد ما ينجزه، لا بما يشعر به.
كان الناس يرونه رجلاً ناجحاً، لكن أحداً لم يكن يرى ذلك الفراغ الصامت الذي يسكن داخله. فقد اعتاد أن يسمع أصوات الجميع؛ نصائحهم، آرائهم، توقعاتهم، حتى نسي صوتاً واحداً كان الأهم… صوت قلبه.
في أحد الأيام، وبينما كان عائداً إلى منزله متعباً، رأى شيخاً يجلس قرب شجرة قديمة في الحديقة، يطعم الطيور بهدوء. استغرب سليم المشهد، فسأله: "كيف تستطيع أن تجلس هكذا بلا قلق؟ ألا تخشى أن يسبقك الآخرون؟"
ابتسم الشيخ وقال: "يا بني، من يركض طوال عمره خلف الآخرين قد يصل إلى أماكن كثيرة، لكنه قد يكتشف في النهاية أنه ضلّ طريقه إلى نفسه."
توقفت كلمات الشيخ في ذهن سليم. وفي تلك الليلة، جلس للمرة الأولى منذ سنوات دون هاتف، دون ضجيج، ودون محاولة لإرضاء أحد. أغلق عينيه، فسمع ذلك الصوت الذي أهمله طويلاً.
كان قلبه يقول له: "لقد انتظرتك كثيراً."
منذ ذلك اليوم لم يترك عمله، ولم يتخلَّ عن طموحه، لكنه تعلّم أن النجاح الحقيقي ليس أن يملك الإنسان كل شيء، بل أن لا يفقد نفسه وهو يبحث عن كل شيء.
ومضت الأيام، وصار سليم أكثر هدوءاً ورضاً. لم يعد يقيس حياته بما يراه الناس فيه، بل بما يشعر به حين يكون وحيداً مع ضميره.
فقد أدرك أن الإنسان قد يجد ألف طريق في العالم، لكنه لن يجد طريقه الصحيح إلا عندما يصغي إلى صوت قلبه.