24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم من علي الطاهر إلى مضيق هرمز: كيف التقت معادلة النار والطاقة؟
من علي الطاهر إلى مضيق هرمز: كيف التقت معادلة النار والطاقة؟
العميد محمد الحسيني
2026-06-21
من علي الطاهر إلى مضيق هرمز: كيف التقت معادلة النار والطاقة؟

 

بين تضاريس جنوب لبنان المشرفة على بلاد الشقيف، ومياه الخليج العربي التي تلتقي عند بوابة المحيط الهندي، يمتد خيط تاريخي وجيوسياسي يربط بين عقدتين استراتيجيتين تبدوان متباعدتين على الخريطة، لكنهما تلتقيان في معادلة واحدة من القوة والتحكم والتأثير. فالعلاقة بين تلة ومقام علي الطاهر في جنوب لبنان ومضيق هرمز لا تُقاس بالمسافة الجغرافية، بل بما يمثله كل منهما من موقع حاكم في معادلات الصراع والسيادة والردع في الشرق الأوسط.
عبر التاريخ، لم تكن هذه المواقع مجرد معالم جغرافية جامدة، بل شكلت ركائز لحماية الهوية وتأمين طرق التجارة والدفاع عن الأرض. فقد ظل مضيق هرمز، منذ قرون طويلة، صمام أمان للتجارة العالمية وحارساً للممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب. ومنذ عهد مملكة هرمز الإسلامية التي فرضت حضورها البحري على المنطقة، اكتسب المضيق مكانة تتجاوز حدوده الطبيعية ليصبح رمزاً للسيادة والتحكم بأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، ولدت تلة علي الطاهر من رحم المواجهات التاريخية التي شهدتها بلاد الشقيف ضد الصليبيين، وارتبطت بذاكرة المقاومة والدفاع عن الأرض. ومع مرور الزمن، تحوّل المكان الذي استشهد فيه القائد علي الطاهر من مقام يحمل اسمه ومعلم روحي يقصده الأهالي إلى موقع استراتيجي يهيمن بالنظر والنار على مدينة النبطية ومحيطها، ويحتل موقعاً مركزياً في الدفاع عن القطاع الشرقي من جنوب لبنان.
وفي خضم المواجهات العسكرية الدائرة خلال عام 2026، استعادت التلة أهميتها الميدانية لتتحول إلى إحدى أعقد العقد العسكرية شمال نهر الليطاني. فقد سعى جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى السيطرة عليها عبر استخدام كثيف للأحزمة النارية والقنابل الارتجاجية بهدف تأمين خطوطه اللوجستية وحماية قواته العاملة في محيط قلعة الشقيف. إلا أن المقاومين المنتشرين في كفرتبنيت ومحيط التلة تمكنوا، عبر الكمائن المحكمة والصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة الانقضاضية، من منع تحقيق أي تقدم حاسم. وأدى هذا الصمود إلى إرباك الخطط العسكرية الإسرائيلية وتعطيل أهدافها العملياتية في القطاع الشرقي، ما جعل تلة علي الطاهر رمزاً لمقاومة ميدانية استعصت على الكسر رغم كثافة النيران المستخدمة ضدها.
ومع استمرار المواجهة واتساع أبعادها الإقليمية، لم يعد تأثير ما يجري على تلال الجنوب اللبناني محصوراً بالساحة المحلية. فالصمود الميداني في علي الطاهر انعكس مباشرة على حسابات الردع الأوسع التي تربط بين الجبهات البرية والبحرية، لتتحول المعركة من مواجهة تدور فوق مرتفعات الجنوب إلى أزمة إقليمية تمس أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وقد أسهم فشل العدو الإسرائيلي في تحقيق اختراق بري حاسم في رفع كلفة الحرب وإطالة أمدها، الأمر الذي دفع إيران إلى الانتقال من مستوى الإسناد السياسي إلى مستوى الضغط الاستراتيجي المباشر عبر مضيق هرمز، بهدف نقل جزء من كلفة المواجهة إلى الاقتصاد العالمي ودفع القوى الكبرى إلى التدخل لاحتواء التصعيد ووقف الحرب وفي هذا السياق، جاء الإقفال العملي الثاني لمضيق هرمز من جانب إيران بوصفه ترجمة مباشرة لهذه المعادلة. فقد ربطت طهران بين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وبين ضرورة تفعيل أوراق الضغط الاستراتيجية المتاحة لديها، معتبرة أن مسؤولية وقف التصعيد لا تقع على عاتق إسرائيل وحدها، بل تشمل أيضاً الولايات المتحدة بصفتها الطرف الضامن لمذكرة التفاهم وصاحبة التأثير الأكبر على القرار الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق طالبت واشنطن بتنفيذ التزاماتها الواردة في المذكرة والعمل على وقف العمليات العسكرية ضد لبنان، محذرة من أن استمرار الحرب سيقود إلى تهديد أمن الملاحة الدولية وتدفقات الطاقة العالمية، بما يفتح الباب أمام اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى أزمة تتجاوز حدود الميدان اللبناني.

هكذا تجسدت عملياً فكرة الترابط بين الساحات والمضائق؛ فحين اشتدت المعارك فوق تلال الجنوب اللبناني، انتقلت تداعياتها إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وبينما ثبت المقاومون في مواقعهم في علي الطاهر ومنعوا تحقيق اختراق بري حاسم، تحركت أوراق الردع الإقليمية في هرمز لتضيف بعداً اقتصادياً واستراتيجياً إلى المواجهة. وعند هذه النقطة التقى الموقعان، رغم تباعدهما الجغرافي، في معادلة واحدة مفادها أن استقرار لبنان وأمن جنوبه لم يعودا شأناً محلياً فحسب، بل باتا مرتبطين مباشرة بأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة الدولية، وأن استمرار الحرب يفتح الباب أمام انتقال الضغوط المتبادلة من تلال الشقيف إلى مضيق هرمز، ومن الميدان العسكري إلى قلب الاقتصاد العالمي.
وهكذا أثبتت أحداث عام 2026 أن التلال في الجنوب اللبناني التي تتحكم بالميدان قادرة، في لحظات التحول الكبرى، على التأثير في المضائق التي تتحكم بالاقتصاد العالمي، وأن المسافة بين علي الطاهر وهرمز أقصر بكثير مما توحي به الخرائط.
عميد لبناني سابق

أخبار مماثلة