يُروى في سالف العصر والأوان أنّ غزالةً حاملًا كانت تعيش في غابةٍ مترامية الأطراف. ولمّا دنا موعد ولادتها، ابتعدت عن القطيع واتّجهت إلى مكانٍ قصيّ عند أطراف الغابة، قريبٍ من النهر، تبحث فيه عن السكينة والأمان.
وبينما كانت تتهيّأ لوضع مولودها، تكاثفت الغيوم فجأة، وتعالت أصوات الرعد، وشقّت السماءَ ومضاتُ البرق. وما هي إلا لحظات حتّى ضربت صاعقةٌ إحدى الأشجار، فاندلع حريقٌ هائل أخذ يمتدّ في أرجاء الغابة.
رفعت الغزالة رأسها نحو الشمال، فإذا بصيّادٍ يشدّ قوسه ويوجّه سهمه نحوها. ثم التفتت إلى يمينها، فإذا بأسدٍ جائع يقترب منها مترصّدًا. وخلفها كانت ألسنة النار تزحف بسرعة، وأمامها يجري النهر متدفقًا.
أصبحت محاصرة من كلّ الجهات: فإمّا أن يفترسها الأسد، وإمّا أن يصيبها سهم الصيّاد، وإمّا أن تلتهمها النيران، وإمّا أن تجرفها مياه النهر. لم يكن أمامها مخرج ظاهر، ولا سبيل نجاة تدركه بحواسّها.
فماذا تفعل؟
أتهرب وهي منهكة في لحظة المخاض؟ أم تستسلم لما يبدو أنّه نهاية محتومة؟
بعد لحظات من الصراع، قرّرت أن تقوم بالشيء الوحيد الذي تستطيع القيام به: أن تركّز على مهمّتها الآنية، وأن تُتمّ ولادتها، تاركةً ما عجزت عنه لعناية الله ورحمته.
فماذا حدث؟
في تلك اللحظة، لمع البرق بقوّة فأعمى بصر الصيّاد، فانحرف السهم الذي كان موجّهًا نحو الغزالة، ليصيب الأسد الجائع إصابةً قاتلة. ثم انهمرت الأمطار بغزارة فأخمدت الحريق قبل أن يصل إليها. وهكذا وضعت الغزالة مولودها بسلام، ونجت ممّا أحاط بها من أخطار.
لله في خلقه شؤون، ورحمته وسعت كلّ شيء.
وكثيرًا ما تكون الحياة شبيهةً بتلك اللحظة التي عاشتها الغزالة؛ إذ لا يرى الإنسان إلا الأبواب المغلقة، بينما تكون أبواب الفرج تُفتح له من حيث لا يحتسب. وما يظنّه نهايةً قد يكون بدايةً جديدة، وما يراه عسرًا قد يخفي في طيّاته لطفًا إلهيًّا لم تتّضح معالمه بعد.
والعبرة من هذه القصّة أنّ الإنسان قد يجد نفسه في مراحل من حياته محاصرًا بالهموم من كلّ جانب، متعب الفكر، مثقل القلب، تتزاحم عليه المشكلات، وتتعقّد أمامه السبل، وتحيط به أمورٌ تتجاوز قدرته وإرادته. عندها لا يكون المطلوب منه أن يحمل العالم على كتفيه، بل أن يفعل ما يستطيع فعله بإخلاص وثبات، وأن يسلّم ما يعجز عنه لله بثقة المؤمن ويقين المطمئنّ.
فلا تفقد رجاءك بالله، ولا تدع اليأس يتسلّل إلى قلبك، فإنّ عند الله من الحلول والمخارج ما لا تدركه العقول، وهو سبحانه أرحم بعباده من الأمّ بولدها.
وتذكّر دائمًا:
«لا تقل: يا ربّ، عندي همٌّ كبير؛ بل قل: يا همّ، عندي ربٌّ كبير».