تواصل موجة الحر الشديد اجتياح مناطق واسعة من أوروبا، ما دفع عدداً من الدول إلى اتخاذ إجراءات احترازية شملت إغلاق مدارس وإلغاء رحلات، وسط تحذيرات متزايدة من تداعياتها الصحية والاقتصادية. وفي هذا السياق، وصفت منظمة الصحة العالمية الحرارة المفرطة بأنها واحدة من أخطر التهديدات المتنامية التي يفرضها تغير المناخ على صحة الإنسان وسلامته.
وهذه ثاني موجة حر تضرب أوروبا الغربية في أقل من شهر، وتعود أسبابها إلى ظاهرة مناخية تعرف باسم حاجز أوميغا، إذ دفعت تلك الظاهرة درجات الحرارة إلى ما يصل إلى 18 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي، وفقا لمرصد رويترز للمناخ. وتستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.
وفي أحدث التطورات، أظهرت بيانات نشرها معهد "كارلوس الثالث" الصحي في مدريد أن ما لا يقل عن 212 حالة وفاة مسجلة بين يومي الأحد والأربعاء يمكن ربطها بموجة الحر التي تضرب إسبانيا. وتستند هذه التقديرات إلى نظام يجمع أعداد الوفيات اليومية في إسبانيا، ويحسب الفوارق بينها وبين الوفيات المتوقعة بناءً على البيانات التاريخية.
وفي فرنسا وضعت السلطات 72 مقاطعة تحت الإنذار الأحمر، و14 مقاطعة تحت الإنذار البرتقالي، وهو أعلى مستوى تأهب يُسجل في البلاد على الإطلاق وفق ما أوردته صحيفة "لوموند" الفرنسية، الخميس. ووصف خبراء الأرصاد هذه الموجة بأنها تاريخية، مشيرين إلى أنها تضاهي، على الأقل، موجة الحر التي شهدتها فرنسا سنة 2003.
ورغم استمرار درجات الحرارة المرتفعة في معظم أنحاء البلاد، يتوقع خبراء الأرصاد الجوية بدء انحسار تدريجي لموجة الحر في المناطق الغربية مع نهاية الأسبوع، فيما يُرجَّح أن تستمر الأجواء الحارة في مناطق أخرى حتى يومي الثلاثاء أو الأربعاء المقبلين.
ونقلت الصحيفة عن هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية "ميتيو فرانس" أن درجات الحرارة ستظل عند مستويات مرتفعة للغاية خلال الأيام المقبلة، وإن كانت أقل بقليل من المستوى القياسي الذي سُجّل الأربعاء.
وكانت السلطات قد أعلنت في وقت سابق، أن ما لا يقل عن 48 شخصاً لقوا حتفهم غرقاً منذ بداية موجة الحر خلال سعيهم لترطيب أجسادهم، ولقي طفلان حتفهما بسبب الحرارة داخل سيارة.
ولم تكن فرنسا وحدها في مواجهة موجة الحر الحالية، إذ امتدت درجات الحرارة القياسية إلى عدد من الدول الأوروبية. وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية، الأربعاء، أن يومي الاثنين والثلاثاء كانا الأكثر حرارة في شهر يونيو/حزيران منذ عام 1950. وبلغ متوسط الحرارة اليومية 28.17 درجة مئوية الثلاثاء، بعد تسجيل 28.08 درجة مئوية الاثنين، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في 30 يونيو 2025 والبالغ 28.01 درجة مئوية.
وفي منطقة كانتابريا شمالي إسبانيا، سُجل رقم قياسي محلي جديد، بعدما بلغت درجة الحرارة 43.7 درجة مئوية في بلدة تاما، وهي منطقة لا تُعرف عادة بدرجات الحرارة المرتفعة. وكانت إسبانيا قد سجلت خلال عام 2025 أكثر فصول الصيف حرارة في تاريخها، بمتوسط بلغ 24.2 درجة مئوية، فيما عزت وزارة الصحة الإسبانية 3832 وفاة إلى الحرارة خلال الفترة الممتدة بين 16 مايو/أيار و30 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وفي بريطانيا، أصدر مكتب الأرصاد الجوية تحذيراً أحمر من الحر الشديد ليومي الأربعاء والخميس. ووفق نظام الإنذار الصحي المرتبط بالحرارة، يعني التحذير الأحمر خطراً كبيراً على الحياة حتى بين الأصحاء، لا على الفئات الهشة وحدها. وسجلت بريطانيا، أمس، أعلى درجة حرارة خلال شهر يونيو/ حزيران على الإطلاق، إذ بلغت 35.7 درجة مئوية في جنوب إنكلترا.
ومنذ بدء السجلات الرسمية عام 1884، كان الرقم القياسي السابق يبلغ 35.6 درجة مئوية وسُجل في 1957 قبل أن يتكرر لاحقاً في 1976. أما أعلى درجة حرارة سُجلت على الإطلاق في بريطانيا فكانت في يوليو/ تموز 2022 وبلغت 40.3 درجة مئوية. وتأتي موجة الحر في شهر يونيو بعد شهر مايو/ أيار الذي حطم الأرقام القياسية عندما سجلت البلاد أحرّ يوم لها في مثل هذا الشهر بوصول درجة الحرارة إلى 35.1 درجة مئوية.
ووضعت وزارة الصحة الإيطالية 16 مدينة، منها فلورنسا وميلانو وروما وتورينو وفيرونا، تحت أعلى مستوى من الإنذار بشأن الحرارة، وحذرت من أن موجة الحر قد تشتد أكثر، لتصل إلى ذروتها يومي الأحد والاثنين.
وفي تحذير يعكس القلق الدولي من تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، مساء أمس، إن الحرارة الشديدة أصبحت واحداً من أخطر التهديدات المتنامية للصحة العامة. وأضاف أن نحو 500 ألف شخص يفقدون حياتهم سنوياً في أنحاء العالم لأسباب مرتبطة بالحرارة، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الوفيات يمكن الوقاية منه عبر تدابير صحية مناسبة وخطط استجابة فعالة.
وتشير تقديرات وكالة فرانس برس إلى أن أكثر من 101 مليون أوروبي سيواجهون، الخميس، درجات حرارة تفوق 35 درجة مئوية، من بينهم أكثر من 50 مليوناً في فرنسا و18 مليوناً في ألمانيا. وستتجاوز الحرارة بحدّها الأقصى 30 درجة لما يزيد عن 380 مليون نسمة في أوروبا (باستثناء تركيا)، وهو ما يمثل قرابة ثلثي السكان.
على غرار اليوم السابق، فإن فرنسا هي الأكثر تضرراً من موجة الحر، إذ يُتوقع أن تشهد حرارة تتجاوز 30 درجة الخميس في مناطق يقطنها نحو 63 مليون نسمة، فيما ستتجاوز 35 درجة في مناطق يبلغ عدد سكانها 53 مليون نسمة. ومن المتوقع أيضاً أن تتجاوز الحرارة 30 درجة في مناطق تضم أكثر من 70 مليون نسمة في ألمانيا، و48 مليوناً في إيطاليا، و38 مليوناً في المملكة المتحدة.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ينبغي أن تركز التدابير الوقائية على الفئات الضعيفة، بما في ذلك كبار السن، والأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية كامنة، والنساء الحوامل، والأطفال، بالإضافة إلى العمال والفئات السكانية المحرومة اجتماعياً.
واستشهد تيدروس بدراسة علمية بحثت في درجات الحرارة العالمية ومعدلات الوفيات بين عامي 2000 و2019. وبينما وجدت الدراسة أن الوفيات المرتبطة بالبرد تفوقت كثيراً على الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال تلك الفترة، إلا أنها أظهرت أيضاً أن الوفيات المرتبطة بالبرد قد انخفضت، فيما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالحرارة.
ويرى خبراء المناخ أن موجات الحر المتكررة التي تشهدها أوروبا خلال السنوات الأخيرة تعكس التحولات المناخية المتسارعة، وتطرح تحديات متزايدة أمام المدن والأنظمة الصحية، في ظل توقعات باستمرار الظواهر المناخية المتطرفة خلال العقود المقبلة.