ليس ثمّة ما هو أبشع من أن يُترك شعبٌ بأكمله تحت خطّ الفقر، يرزح تحت وطأة القهر، والخذلان، والاستبداد، وإهدار الحقوق، وسرقة المال العام.
شعبٌ يتهاوى أمام أعين سلطةٍ لا ترى فيه سوى أرقامٍ تُستنزف، ولا تسمع أنينه وهو يقترب، في كلّ يوم، من حافّة الانهيار.
أيُّ مسؤولٍ ذاك الذي لا يرفّ له جفن، وهو يرى أبناء وطنه يُساقون إلى الموت البطيء، ويُتركون فريسةً للجوع، والمرض، واليأس؟
إنّ ما يعيشه اللبنانيّون اليوم ليس مجرّد أزمة عابرة، بل انهيارٌ شامل يطال الإنسان في كرامته، وحياته، ومستقبله. فلا طعام يكفي، ولا ماء يؤمّن، ولا كهرباء تستقرّ، ولا طبابة تُحتمل كلفتها، ولا تعليم يطمئن إليه الأهل، ولا أبسط مقوّمات الحياة الكريمة.
ومع ذلك كلّه، يُطلب من هذا الشعب أن يصمد... وكأنّ الصمود بات واجبًا على الضحيّة، لا على من أوصلها إلى هذا المصير.
والأشدّ مرارةً أنّ بعضهم لا يزال يصرّ على التقليد الأعمى، ويجاهر بولائه للزعيم، مردّدًا: «حبّ زعيمك... ولو سحبلك زلاعيمك!»، وكأنّ الولاء للأشخاص أصبح أهمّ من الولاء للوطن.
إنّها مأساة تتغذّى من تواطؤ المتخاذل، وصمت المتكاسل، واستسلام من آثر السلامة على المواجهة.
وما دمنا نغرق في عبادة الزعامات، ونصفّق للشعارات الطنّانة والوعود الخادعة، فسيظلّ البلاء رفيقنا، وستبقى مقوّمات الحياة تتهاوى، وسيبقى الموت يتسلّل إلينا من أبواب الفساد وسوء الإدارة.
فالأوطان لا يدمّرها الفقر وحده، بل يدمّرها أيضًا شعبٌ يعتاد الألم، ويصالح الظلم، ويمنح ثقته، في كلّ مرّة، لمن سرق أحلامه. وحين يصبح السكوت عادةً، يغدو الخراب قدرًا.
عندها... لا يبقى ما يُقال سوى:
وعلى الدنيا السلام.