يُحكى في الزمن المعاصر، والضربُ في عمق الخواصر، أنّ سياسيًّا من "جمهورية كونكان الديمقراطية"، اشتهر بالنصب والاحتيال ونهب الأموال، علم من مصادر مطّلعة أنّ مسؤولي "جمهورية هات إيدك والحقني" يبيعون أراضي في الجنّة، مرفقةً بصكوك بيع وسندات تمليك مصدّقة وممهورة بأختام الدولة.
فعزم أمره، وشدّ الرحال، وجهّز حقيبة سفرٍ ملأى بدولارات السوق السوداء، واستقلّ طائرته الخاصة التي حطّت في مطار "جمهورية هات إيدك والحقني".
وفي اليوم التالي، قصد الدوائر العقارية في العاصمة، وقابل المدير العام المسؤول، وقال له:
– أريد أن أشتري "جهنّم وبئس المصير".
فأجابه المسؤول مستغربًا:
– نحن نبيع الشعب أراضي في الجنّة فقط، وقد أصبح ربع شعب "جمهورية هات إيدك والحقني" يمتلك أراضي في جنّات الخلود، مع ضمانات الغفران والنعيم الأبدي. فكيف تريد شراء جهنّم وبئس المصير؟!
ابتسم السياسي الكونكاني وقال:
– أنا أعشق النار، وأرغب في شرائها، فهل تبيعونني إيّاها؟
ردّ المسؤول، وقد بدا الاستغراب على وجهه:
– سأعرض الأمر على كبار المسؤولين، وأوافيك بالجواب غدًا.
وفي اليوم التالي، حضر السياسي، فأُذن له بالدخول إلى مكتب المسؤول الذي استقبله قائلًا:
– لقد وافق مسؤولو "جمهورية هات إيدك والحقني" بالإجماع على بيعك "جهنّم وبئس المصير" لقاء مليار دولار أميركي.
فوافق السياسي الكونكاني على الفور، وجرت مراسم توقيع العقد بكامل متمّماته، وسُلّم سند التمليك، ممهورًا بخاتم الدولة وتصديقها، تحت عنوان: "شهادة تمليك جهنّم وبئس المصير".
وفي صبيحة اليوم التالي، عقد السياسي مؤتمرًا صحفيًا حضره جمعٌ غفير من أبناء "جمهورية هات إيدك والحقني". وبعد أن تحدّث عن شرائه "جهنّم وبئس المصير"، فجّر مفاجأة من العيار الثقيل، فقال:
"أيّها الشعب العزيز... أبشّركم بخبرٍ صادم؛ لقد اشتريت جهنّم وبئس المصير، ومن هذه اللحظة وحتى يوم يُبعثون، لن يدخل أحدٌ منكم النار، فقد أقفلتها وأوصدت أبوابها. فلا داعي للخوف بعد اليوم، ولم يعد لشراء أراضٍ في الجنّة أيّ جدوى لضمان الغفران أو النجاة من النار."
خيّم الصمت لبرهة، وشخصت الأبصار نحو المنبر، ثم ما لبث أن علا الصراخ، والهرج، والزغاريد، ابتهاجًا بما اعتقده الناس خلاصًا مضمونًا.
وبعد أسبوع واحد من واقعة بيع "جهنّم وبئس المصير"، لم يعد أحدٌ من المواطنين يرغب في شراء أيّ أرضٍ في الجنّة.
عندها دُقّ جرس الإنذار، ودعت سلطات "جمهورية هات إيدك والحقني" إلى اجتماع طارئ لمجلس الوزراء لبحث هذا الحدث الخطير. وانتهى الاجتماع إلى قرار يقضي بإعادة شراء "جهنّم وبئس المصير" من السياسي الكونكاني، الذي وافق على البيع لقاء عشرة مليارات دولار أميركي.
ولم تتردّد السلطة في الدفع نقدًا.
قبض السياسي المال، واستقلّ طائرته الخاصة، وعاد إلى "جمهورية كونكان الديمقراطية" مزهوًّا بصفقته الرابحة، بعدما باع الوهم مرّتين، وربح من التصديق أكثر مما ربح من الخديعة.
إنها محاكاة ساخرة لقصة خيالية، لكنها تتماهى مع كثيرٍ من الوقائع المقيتة التي نعيشها في وطننا الحزين، لبنان؛ حيث تُسوَّق الأوهام، ويُستثمر في خوف الناس، وتُستغلّ آمالهم، على أيدي سياسيين لا يتقنون سوى صناعة الأزمات والاتجار بها، تحت أنظار المراجع كافة، ووسط صمتٍ يوازي المشاركة.
ولعلّ أخطر ما في الحكاية ليس ذلك المحتال الذي عرف كيف يستغلّ السذاجة، بل أولئك الذين جعلوا من الوهم سلعةً، ومن التصديق منهجًا، حتى غدا الباطل تجارةً رابحة، والحقيقة بضاعةً كاسدة. فالأمم لا تسقط حين يكثر المحتالون، بل حين يقلّ الواعون، ويغيب أصحاب الضمير، ويصبح العقل آخر من يُستشار.
فهل من متّعظ؟