30 محرم 1448

الموافق

الخميس 16-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

فلسطينيات اخبار فلسطينية أطباء غزة في سجون الاحتلال... مصير مجهول ووجع عائلي ووطني
أطباء غزة في سجون الاحتلال... مصير مجهول ووجع عائلي ووطني
2026-07-16
أطباء غزة في سجون الاحتلال... مصير مجهول ووجع عائلي ووطني

لم يعد غياب الطبيب في قطاع غزة لأي سبب، سواء كان استشهاداً أو إصابة أو لجوءاً أو اعتقالاً، مجرد فقدان شخصي، بل أصبح خسارة فادحة تطاول قدرة القطاع الصحي كله على الصمود.

لم يقتصر التدمير الممنهج للقطاع الصحي في قطاع غزة على الحجر، بل امتد إلى البشر الذين يشكّلون الركيزة الأساسية في المنظومة الطبية، إذ استشهد عشرات الأطباء، وأصيب المئات، ونزح الآلاف، كما اعتقل الاحتلال الإسرائيلي أطباء اعتادوا قضاء ساعات طويلة متنقلين بين غرف العمليات وأقسام الطوارئ لإنقاذ حياة المرضى والجرحى.

ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض القطاع الصحي لاستهداف ممنهج، وتؤكد وزارة الصحة أن نحو 80% من المستشفيات خرجت عن الخدمة. وبينما تواصل مجموعة محدودة من مستشفيات غزة عملها في ظل نقص حاد في الكوادر والإمكانات، تنتظر عائلات الأطباء المعتقلين إطلاق سراحهم من السجون الإسرائيلية، كما ينتظر المرضى والجرحى عودتهم لممارسة عملهم الحيوي في توفير العلاج. 

يؤكد مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، الطبيب محمد أبو سلمية، أن استهداف الاحتلال الكوادر الطبية خلال الحرب يمثل "جريمة حرب موصوفة" تستهدف المنظومة الصحية وقدرتها على الاستمرار. ويقول لـ"العربي الجديد" إن "الاحتلال اعتقل منذ بداية الحرب 28 طبيباً، أُفرج عن 10 منهم، بينما لا يزال 18 طبيباً داخل السجون الإسرائيلية، فضلاً عن اعتقال أكثر من 360 من الكوادر الطبية، من بينهم ممرضون ومسعفون وفنيون وإداريون، ولا يزال 88 منهم قيد الاعتقال".

الطبيب حسام أبو صفية قبل اعتقاله، بيت لاهيا، أكتوبر 2024 (فرانس برس)

الطبيب حسام أبو صفية قبل اعتقاله، بيت لاهيا، أكتوبر 2024 (فرانس برس)

ويوضح أبو سلمية أن "من بين المعتقلين أسماء تمثل ركائز أساسية في القطاع الصحي، من بينهم الطبيب حسام أبو صفية، استشاري طب الأطفال ومدير مستشفى كمال عدوان، والطبيب غسان أبو زهري، رئيس قسم العظام في مجمع ناصر الطبي، والذي كان الطبيب الوحيد في قطاع غزة الذي يجري عمليات زراعة المفاصل، والطبيب مروان الهمص مدير المستشفيات الميدانية، إلى جانب أطباء آخرين من أصحاب التخصصات الدقيقة. غياب هؤلاء لا يقتصر أثره في عائلاتهم، بل ينعكس على المنظومة الصحية بأكملها، كونهم يمتلكون خبرات نوعية في تخصصات يحتاج إليها آلاف المرضى، وفقدانهم يترك فراغاً كبيراً يصعب تعويضه في ظل الظروف الحالية".

ويضيف: "جميع الأطباء المعتقلين خضعوا لإجراءات ومحاكمات، لكن لم تثبت بحق أي منهم أية تهم، وذنبهم الوحيد أنهم بقوا مع مرضاهم وجرحاهم داخل المستشفيات. نحذر من مخاطر استمرار اعتقال الأطباء، خصوصاً في ظل التقارير التي تتحدث عن الظروف الصحية الصعبة التي يعيشها المعتقلون، فمكان الأطباء الطبيعي هو المستشفيات بين المرضى والجرحى، مكانهم في غرف العمليات، وليس داخل السجون. يسعى الاحتلال من خلال اعتقال الأطباء وتعذيبهم إلى كسر إرادة الطبيب الفلسطيني، وإرسال رسالة للمجتمع بأن القطاع الصحي غير قادر على الصمود، لكن الأطباء يواصلون أداء رسالتهم رغم كل الظروف، وتضحياتهم ستبقى، وسيخلدها التاريخ".

ويبرز اسم الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، الذي تحوّل خلال الحرب إلى أحد أشهر الوجوه الطبية في قطاع غزة، فقد أمضى سنوات طويلة في علاج الأطفال، وخصوصاً حديثي الولادة، وظلّ يعمل في مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع في أكثر الأيام صعوبة، عندما كانت أعداد الجرحى ترتفع، والإمكانات الطبية تتقلص، وقد تبدل المشهد بعد اعتقاله، وبينما يقبع في سجن الرملة الإسرائيلي، تعيش عائلته حالة انتظار قاسية منذ أكثر من عام ونصف العام. 

يقول ابنه إلياس أبو صفية إن ظروف احتجاز والده مأساوية، وفق ما ينقله إليهم المحامي بعد زيارته، وإن آثار الاعتداء واضحة على جسده، كما أن حالته الجسدية تكشف عن حجم المعاناة التي يتعرض لها طوال فترة الاحتجاز. ويضيف لـ"العربي الجديد"، أن غياب والده لم يترك أثراً سلبياً داخل المنزل فقط، بل امتد إلى المستشفى الذي فقد طبيباً كان يمثل ركيزة أساسية في علاج الأطفال، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع الصحي، إذ كان يتعامل مع الأطفال باعتبارهم مسؤولية إنسانية، وليس مجرد حالات طبية، ما يجعل اعتقاله يعني حرمان الكثير من المرضى من طبيب ارتبط اسمه بالإنقاذ.
وعلى الرغم من الألم الذي تعيشه الأسرة، يؤكد إلياس أبو صفية: "نشعر بالفخر تجاه ما قدمه والدي طوال سنوات عمله، ولأنه اختار البقاء إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة، قبل أن يتحول من طبيب يداوي الجرحى إلى معتقل تنتظر أسرته معرفة أخباره الشحيحة، وينتظر مرضاه عودته إلى مشفاه".
لم يكن الطبيب مروان الهمص مجرد طبيب يشغل منصب مدير المستشفيات الميدانية في قطاع غزة، بل كان أحد الوجوه التي ارتبطت بالميدان منذ الأيام الأولى للحرب، فبينما كانت المستشفيات تتعرض للقصف، ويتوافد عليها الجرحى، اختار أن يتنقّل بين عدة مواقع، أبرزها مراكز الاستقبال التي كانت عادة تعجّ بالجرحى.

مطالبة بالإفراج عن الطبيب مروان الهمص، خانيونس، أكتوبر 2025 (عبد الله العطار/الأناضول)

تقول ابنته الممرضة تسنيم الهمص، وهي معتقلة سابقة أيضاً، إن والدها لم يعرف يوماً البقاء خلف المكتب، رغم طبيعة منصبه الإداري، بل كان يكرر أن المسؤول الطبي الحقيقي يجب أن يكون بين الطواقم والمرضى، خصوصاً في الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع غزة. وتوضح لـ"العربي الجديد": "واصل والدي عمله حتى اليوم الأخير في مستشفى أبو يوسف النجار بمدينة رفح، قبل أن يساهم في إنشاء مستشفى ميداني في منطقة مواصي خانيونس مع اتساع العمليات العسكرية، وارتفاع أعداد المصابين والنازحين. كان يعتبر نفسه جزءاً من خط الدفاع الأول عن المرضى، لذلك لم يكن يغادر موقعه إلا للانتقال إلى موقع آخر تشتد فيه الحاجة إلى الكوادر الطبية".
وبحكم تخصصه في التخدير والإنعاش، كان الهمص أحد العناصر الأساسية في غرف العمليات، كون تخصصه بالغ الأهمية خلال الحروب، خصوصاً مع تدفق الإصابات الخطيرة. تقول تسنيم الهمص: "ساعدت خبرته الطويلة في التعامل مع حالات حرجة، وغيابه ترك فراغاً كبيراً داخل المستشفيات التي تعاني أصلاً من نقص حاد في الأطباء من أصحاب التخصصات الدقيقة. يؤمن والدي بأن الطبيب لا يملك رفاهية اختيار ظروف عمله، وأن رسالته الإنسانية تفرض عليه البقاء إلى جانب المرضى مهما كانت المخاطر، لذا بقي في الميدان حتى اعتقاله، فيما تواصل الأسرة المكونة من أحد عشر فرداً انتظار عودته إلى المنزل، وإلى عمله الذي كرس له حياته".
تحمل قصة الحكيم أحمد الكحلوت جانباً آخر من معاناة القطاع الصحي، إذ يمتلك خبرة إدارية وصحية جعلته أول ممرض يتولى إدارة مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة. يقول شقيقه فتحي الكحلوت لـ"العربي الجديد": "يحمل أحمد درجة الماجستير، وكان يستعد لمناقشة الدكتوراه في مجال الصحة النفسية والمجتمعية، إلى جانب امتلاكه سنوات طويلة من الخبرة في الإدارة، وقد ساعدته هذه الخبرات على قيادة العمل في المستشفى لنحو سبع سنوات. دور شقيقي لم يقتصر على الإدارة، إذ عمل محاضراً في عددٍ من الجامعات الفلسطينية، وساهم في تدريب طلبة التمريض على الإسعافات الأولية".

ويضيف: "أصرّ أخي على البقاء في المستشفى على رأس عمله بالرغم من تصاعد وتيرة القصف، وحينها تحول المستشفى إلى مساحة تجمع بين علاج الجرحى وإيواء النازحين. كان يدرك صعوبة استمرار العمل في ظل توقف الإمدادات الطبية وتراجع عدد العاملين، لكنه رفض المغادرة، متمسكاً بمسؤوليته تجاه المرضى. في آخر اتصال معه قبل يومين من اعتقاله، حاولت إقناعه بالخروج من المستشفى بعدما أصبحت الظروف شديدة القسوة، لكنّه أكد أنه لن يغادر طالما بقي مريض واحد داخل المستشفى، لأن واجبه المهني أن يبقى معه. هذه الكلمات تختصر شخصية شقيقي وقناعاته التي رافقته طوال سنوات عمله؛ فالمسؤولية الطبية بالنسبة له ليست وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل التزام أخلاقي تجاه كل إنسان يحتاج إلى الرعاية".
اعتُقل أحمد الكحلوت من داخل مستشفى كمال عدوان في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023، وكان حينها يرتدي زيه الطبي، في مشهد وثقته الكاميرات، وأصبح من أبرز الصور التي تختصر معاناة العاملين في القطاع الصحي خلال الحرب على غزة.

ويؤكد شقيقه فتحي الكحلوت أن العائلة تنظر إلى اعتقاله باعتباره أدى رسالته حتى اللحظة الأخيرة، وإن كان الاعتقال يمثل وجعاً خاصاً للأسرة، بل يعكس معاناة عشرات العائلات التي فقدت أبناءها من الأطباء والممرضين والمسعفين الذين اختاروا البقاء في مواقعهم. ويشدد على أن المطالبة بالإفراج عن شقيقه، وبقية المعتقلين من العاملين في القطاع الصحي تأتي من منطلق إنساني، لأن هؤلاء لم يكونوا طرفاً في القتال، بل كانوا يؤدون مهمة إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة عن المدنيين.

أخبار مماثلة