كفرتبنيت لم تعد كما عرفها أهلها، البيوت التي احتضنت الذكريات والأفراح والأتراح صارت ركاماً، والشوارع التي كانت تعجّ بالحياة غدت خاوية إلا من صدى الانفجارات٠٠ اضطر أهلها إلى الرحيل، لا هرباً من بلدتهم، بل هرباً من الموت الذي يلاحقها كل يوم.. لكنهم رغم البعد لم يغادروها يوماً بقلوبهم.
ولم تهدأ البلدة يوماً واحداً؛فالتفجيرات تتكرر فيها بلا توقف، تارة تطال حياً كاملاً، وتارة تمحو بيتاً بمن فيه من ذكريات. وفي كل مرة يصل فيها خبر انفجار جديد إلى مسامع الأهالي المهجّرين، تنقبض قلوبهم قبل أن تتحرك أصابعهم للاطمئنان: أي حيّ استُهدف هذه المرة؟ أهو البيت القديم؟ أم زقاق الطفولة؟ يعيشون لحظات من الترقب المرّ، وكأن كل تفجير يعيد فتح جرح لم يندمل بعد، ويذكّرهم أن بلدتهم تُنهش قطعة قطعة وهم عاجزون عن حمايتها.
من بعيد، يتابع أبناء كفرتبنيت مصير بيوتهم عبر الشاشات والأخبار، بعيون تترقب وقلوب تتقطّع. كل خبر عن انفجار جديد يشبه طعنة في الذاكرة؛ فالبيت الذي يُهدم ليس مجرد جدران، بل هو الغرفة التي وُلد فيها الأبناء، والشجرة التي زرعها الجد، والعتبة التي ودّعوا عندها أحبتهم. يشعرون أن جزءاً منهم يُمحى مع كل حجر يتناثر، وكأن الغربة عن البلدة صارت غربة عن الذات.
وما يزيد الوجع أن كفرتبنيت ليست وحدها في هذا المصير؛ فعلى مقربة منها، في زوطر الغربية والنبطية الفوقا، يتكرر المشهد ذاته، لتؤكد هذه البلدات مجتمعة أن الجنوب كله يعيش هذا الجرح المفتوح، وأن آلة الاستهداف لا تفرّق بين قرية وأخرى.
ومع كل هذا الألم، تبقى الدولة غائبة عن المشهد، لم تتحرك، ولم ترفع صوتها بما يوازي حجم المأساة. تركت أهالي هذه البلدات وحدهم أمام مصيرهم، بلا حماية تُذكر وبلا موقف يوقف النزيف. فأين المسؤولية؟ وأين من يفترض أن يكون درعاً لهذه القرى بدل أن تُترك لتُباد في صمت؟
اليوم، كفرتبنيت ليست مجرد اسم على خريطة تتعرض للقصف، بل هي حكاية ناس تركوا قلوبهم خلفهم، وصرخة صامتة تتردد في كل بيت مهجّر وكل عائلة مشتّتة. إنها دعوة إنسانية صادقة: أن يُسمع صوت هذه البلدة، وأن تتوقف آلة الحرب عن سرقة الذكريات والبيوت والحياة من أهل ما زالوا يحلمون بالعودة.