ع تسارع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبدو لندن في طليعة المدن التي تختبر مبكراً تأثير هذه التكنولوجيا في سوق العمل. فبحسب تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تقع أكثر من ثلاثة أرباع الوظائف في العاصمة البريطانية ضمن فئة "التعرض المرتفع"، وهي الوظائف التي تتجاوز فيها حصة المهام القابلة للأتمتة أو التعزيز بالذكاء الاصطناعي 50% من طبيعة العمل. ويرتبط هذا الانكشاف بطبيعة اقتصاد لندن القائم على المال والقانون والاستشارات والتكنولوجيا والتعليم والإدارة، وهي قطاعات تعتمد بكثافة على أعمال معرفية ولغوية يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي تنفيذ أجزاء متزايدة منها. وبهذا المعنى، لا تبدو لندن مكشوفة بسبب ضعفها، بل بسبب تركّزها في القطاعات الأكثر قابلية للتحول.
الخطر الحقيقي
وتقول أسلي أتاي، كبيرة مستشاري السياسات في مؤسسة العمل بجامعة لانكستر، إن ارتفاع تعرض لندن للذكاء الاصطناعي التوليدي يبدو منطقياً، لأن اقتصادها يقوم على أعمال مكتبية ومعرفية بات الذكاء الاصطناعي يجيد التعامل معها. لكنها تشدد على أن "التعرض ليس زوالاً"، بل يعني أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الوصول إلى هذه الوظائف، لا أنه يمحوها بالضرورة. وتضيف أتاي أن المسألة الحاسمة تكمن في طريقة استخدام أصحاب العمل هذه القدرة. فبعض الشركات قد يستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليص عدد الموظفين، بينما قد تستخدمه شركات أخرى لإزالة الأعمال الروتينية وإتاحة المجال أمام العاملين للتركيز على مهام أعلى قيمة. وترى أن الانقسام الحقيقي لن يكون بين "المهرة" و"غير المهرة"، بل بين من يحصلون على التدريب لاستخدام الأدوات الجديدة، ومن تتحول وظائفهم إلى مهام مبسطة يمكن الاستغناء عنها أو إعادة توزيعها.
وتحذر أتاي من أن الخطر الأكبر قد يقع على بداية السلم المهني لا على قمته، إذ إن المهام التي كانت تعلّم الخريجين أصول العمل، مثل الصياغة والبحث والتحليل الأساسي، هي تحديداً المهام التي يجيدها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وغالباً ما تكون أول ما يُعهد به إلى الموظفين المبتدئين.
وتشير أتاي إلى أن أبحاث مؤسسة العمل أظهرت أن وظائف البداية تراجعت بنحو النصف خلال عقد. وتحذر من أنه إذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى تضييق هذا المدخل أكثر، فإن "السلم إلى العمل يصبح أقصر"، في وقت تسجل فيه بريطانيا بالفعل أعداداً مرتفعة من الشباب خارج التعليم أو العمل أو التدريب. وتوضح أن الأدلة على أن الذكاء الاصطناعي هو المحرك المباشر لهذا التحول ليست حاسمة بعد، لكنها تؤكد أن الخطر يستحق الانتباه قبل أن يتحول إلى الطريقة التي يدخل عبرها جيل كامل إلى سوق العمل.
سوق عمل أكثر صعوبة
وتزيد الأرقام الوطنية هذا القلق. فقد أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطانية أن عدد الشباب بين 16 و24 عاماً خارج العمل والتعليم والتدريب بلغ نحو 1.012 مليون بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، بزيادة سنوية قدرها 89 ألفاً. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سبب مباشر لهذه الزيادة، لكنه يضع تسارع الأتمتة المكتبية في سياق سوق عمل أكثر صعوبة للشباب والخريجين. وفي العاصمة، أظهر بحث نشره مكتب عمدة لندن في إبريل/نيسان أن أكثر من 300 ألف عامل يواجهون أعلى مستويات التعرض وخطر الأتمتة، خصوصاً في أدوار إدارية وروتينية تتقاطع مهامها مع قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتمتد هذه المخاطر أيضاً إلى مهن بيضاء تعتمد على اللغة والتحليل والمهارات الرقمية، من إعداد المسودات والتقارير إلى البحث والتلخيص وفرز البيانات.
وقال متحدث باسم عمدة لندن إن كون عدد كبير من الوظائف في العاصمة معرضاً للذكاء الاصطناعي لا يعني أنها ستُستبدل بالكامل، بل إن الأرجح أن يؤدي ذلك إلى تطور بعض الوظائف وتغير طبيعتها بفعل هذه التكنولوجيا. وأضاف أن العمدة يرى في الذكاء الاصطناعي فرصاً حقيقية، من دفع النمو الاقتصادي إلى تحسين الخدمات العامة، لكنه يقر في الوقت نفسه بأنه يطرح تحديات جديدة، بينها التأثير المحتمل على سوق العمل في لندن.وأوضح المتحدث لـ"العربي الجديد" أن هذا هو السبب في إنشاء "فريق عمل لندن للذكاء الاصطناعي والوظائف" (London AI and Jobs Taskforce) الذي سيدرس كيف بدأ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمل في لندن، ويقدم توصيات بشأن الخطوات العملية المطلوبة لتعزيز المهارات وحماية المسارات المؤدية إلى العمل ودعم النمو. وأضاف أن الفريق سيوصي بإجراءات تساعد سكان لندن على اكتساب المهارات التي سيحتاجون إليها في المستقبل، ضمن عمل العمدة لبناء مدينة أكثر عدالة وأماناً وازدهاراً للجميع.
وبحسب معلومات أرفقها مكتب العمدة في رده، فإن صادق خان هو أيضاً من مؤسسي "منتدى رؤساء البلديات للذكاء الاصطناعي" الدولي الجديد، الذي يطلقه مركز بلومبيرغ للتميز الحكومي في جامعة جونز هوبكنز، ويجمع رؤساء بلديات من أنحاء العالم لتبادل الخبرات والاستراتيجيات العملية مع الخبراء وقطاع الأعمال. وتزداد أهمية هذا التحول في مدينة تمثل بوابة رئيسية إلى الطبقة المهنية في بريطانيا. فإذا تقلصت وظائف البداية في مجالات مثل التحليل والبحث والإدارة والإعلام والقانون والاستشارات، فلن يظهر الأثر فقط في أرقام البطالة، بل في تضييق طريق الصعود أمام الخريجين والشباب. ومن هنا، تختبر لندن مستقبل العمل قبل غيرها: ليس لأنها أضعف بل لأنها أكثر تقدماً وتركيزاً في القطاعات التي يستطيع الذكاء الاصطناعي ملامستها.