12 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 28-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة وحوش وإرهابيون وتغيير عقلية
وحوش وإرهابيون وتغيير عقلية
غازي العريضي
2026-07-28
وحوش وإرهابيون وتغيير عقلية

 

في لقاءات مسؤولين إسرائيليين موفدين ودبلوماسيين دوليين، نُقلت بدقة معلومات تتحدّث عن الخطوات الإسرائيلية المرتقبة لنتنياهو وحكومته قبل استحقاق الانتخابات النيابية، وفي ظلّ عدم تجاوب ترامب مع رغباتهم في العودة إلى الحرب الشاملة ضدّ إيران، ومشاركتهم الفاعلة فيها، وقد حدّدوا أهدافاً استراتيجية جديدة لضربها. والهدف تحقيق "مكاسب" إضافية في سجلّ نتنياهو تمكّنه من استثمارها للفوز في الانتخابات. وتزامن هذا مع حديثه عن إسرائيل الموحّدة، العنصر الأساس في كسب الحرب وتثبيت موقعها ودورها الفاعلَين والمؤثّرَين والأساسيَّين في الشرق الأوسط الجديد.
أهم الخطوات التي أشار إليها المسؤولون الإسرائيليون هي التصعيد في الضفّة الغربية. لماذا؟ في غزّة، عملوا ونجحوا في عرقلة "مجلس سلام" ترامب، ويريدون استكمال مهمّتهم. وفي الضفة يسقطون كلّ حلم أو وهم أو وعد أو مشروع بإقامة دولة فلسطينية، ويحقّقون أهدافاً توسّعية يفرضون من خلالها أمراً واقعاً جديداً على الفلسطينيين وغيرهم.

لن تأتي لحظة أو مرحلة أهمّ وأقوى من المرحلة الحالية التي تحاول إسرائيل، بقيادة نتنياهو، الخروج منها وفكّ الحصار عن نفسها بمحاولات فرض أمر واقع جديد
بالفعل، بعد أيّام قليلة من اللقاءات المذكورة وما سُرّب منها، أشعل المستوطنون حرباً صغيرة خطيرة، معبّرةً بوضوح عن ترجمة النيّات الإسرائيلية. في قرية تل قرب نابلس، اعتدوا على الأهالي، وحاولوا الدخول إلى منازلهم، فتصدّى لهم المواطنون. هجوم إسرائيلي واسع استهدف نابلس، واقتُحم المستشفى التخصّصي فيها، وخُطف من داخله شقيقان، أحدهما مصاب ويخضع للمعالجة. وقبلها استُهدفت الخليل وجنين، والمسلسل مستمرّ مفتوح على أخطر الاحتمالات والنتائج. في هذا الوقت، اقتحم بن غفير المسجد الأقصى، وأطلق أناشيد وهتافات، وردّد مراراً: "سنبني الهيكل. سنبني الهيكل. ومدينة صهيون ستُملأ. الأرض لنا. البيوت لنا. هذه بيوت أجدادنا. تحتلونها أنتم"، في مواجهة صحاب منزل جاء إليه بن غفير مع مجموعة من الشرطة يهدّدهم بإخلائه فوراً. 
ولم يكتفِ بذلك، بل أشار إلى غزّة بالقول: "غزّة لنا. سنقيم مستوطنات في كلّ غزّة. لو قال لي أحدهم قبل ثلاث سنوات إنّنا سنسيطر على 70% من أراضي غزّة لما صدّقت ذلك. لذا أقول اليوم: ستكون هناك مستوطنات يهودية في جميع أنحاء غزّة. سنشجّع الهجرة، ونرسل مَن يجب إرساله إلى بلده. نحن عائدون إلى وطننا. غزّة لنا". ويؤكّد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش مجدّداً: "لن ننسحب من غزّة. سنستوطن فيها، ونوسّع دائرة الاستيطان في الضفّة، وهذه مسؤوليتي". ويعلق على ذلك موشي يعالون (وزير الأمن السابق) قائلاً: "كنت قائد يهودا والسامرة (الضفّة)، وقائداً للمنطقة الوسطى. عملية تل (الردّ على المستوطنين) ليست عملية إرهابية. ماذا تعني؟ احتكاك أشعله الإسرائيليون. التوجّه إلى مسجد ومحاولة إحراقه لا يحدث من فراغ. ثمّة سياسة ممنهجة هنا. وزراء في الحكومة يزوّدون هؤلاء بالأدوات المطلوبة لتهجير أكثر من مئة مجتمع رعوي في يهودا والسامرة. إنّه إرهاب يهودي. قُتل أكثر من 30 فلسطينياً، فمن يُحاكم على ذلك؟ بعد الانتهاء من المزارع والمجتمعات الرعوية، سينتقلون إلى القرى لتهجير أهلها من أراضيهم. من اعتبروا هجوم 7 أكتوبر معجزةً يريدون إشعال الاحتكاك ذاته، والهدف واضح يعلنه سموتريتش وبن غفير وأوريت ستروك: التهجير". هل يعالون مُعادٍ للسامية؟ يهدّد أمن إسرائيل ووجودها ومصيرها؟
في السياق نفسه، قال رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت: "في الماضي كانت هناك مكانة لإسرائيل لا تملكها اليوم في العالم كلّه. من السهل علينا جميعاً أن نتذمّر، لأنّ لا شيء نحبّه أكثر من القول إنّ الجميع يكرهوننا، وإنّ الجميع معادون للسامية. وهذا كلام فارغ تماماً. العالم لا يريد أن يرى وحوشاً وإرهابيين مثل بعض وزراء الحكومة وأعضاء في الكنيست ومؤيّدين. الحكومة تفعل أشياء ليست هي مجرّد إضرار بالصورة وإساءة للسمعة، إنّها أمر أخطر من ذلك بكثير، يدل على خلل جوهري عميق في البنية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي. ماذا يمكن أن تقول عندما ترى الجرائم الفظيعة التي يرتكبها الآلاف في الضفّة ضدّ الفلسطينيين، وحين ترى تصرّفات وزراء الحكومة ومؤيّدين لها وأعضاء في الكنيست؟ ولا يمكن الدفاع عن هذا أبداً. من يظنّ أنّ مشكلتنا إعلامية فهو مخطئ". وقال عضو الكنيست جلعاد كاريف: "المستوطنون يقتحمون البلدات الفلسطينية، وينفّذون أعمالاً انتقامية. وزراء في الحكومة يصبّون الزيت على النار. الحكومة العاقلة تعمل على وقف هذه الأعمال وإعادة الاستقرار. أمّا حكومة المتطرّفين، فتستغلّ سفك الدم، سواء بدافع الأيديولوجيا القومية المتطرّفة أو بدافع سياسة دينية. ما يحدث ليس حرباً على الإرهاب، بل مكافأة للتنظيمات الإرهابية".
وقال أحد أبرز الصحافيين والمعلّقين والمؤثرين جدعون ليفي: "أنا إسرائيلي. وُلدت في إسرائيل. أهتم بها. أنتمي إليها. لا يتحدثنّ أحد عن معاداة السامية. لا يوجد تناسق. لا يوجد صراع. هل كان هناك صراع بين فرنسا والجزائر؟ كان هناك احتلال فرنسي وحشي في الجزائر وانتهى، وهناك احتلال إسرائيلي وحشي لا بدّ من أن ينتهي بطريقة أو بأخرى. هناك نظام يُعتبر من أكثر الأنظمة الاستبدادية قسوةً ووحشيةً على وجه الأرض. أعلم ما أقول لأنّني أتابع ذلك منذ 40 عاماً. لا يمكن تعريف هذا النظام إلا بأنّه نظام فصل عنصري. هناك شعبان يتقاسمان قطعة أرض واحدة. شعب واحد له كلّ الحقوق في العالم، ولا يملك الآخرون أيّ حقوق على الإطلاق. يبدو مثل الفصل العنصري. إنّه الفصل العنصري".
وكتب المحلّل السياسي في صحيفة معاريف ميشكا بن دافيد معلّقاً على كلام نتنياهو ووزرائه: "نحن نخوض حرباً عادلة، وسنواصل القيام بذلك حتّى تحقيق النصر المطلق"، فقال: "النصر المطلق الذي يحلم به قادة إسرائيل لن يتحقّق، حتّى لو دمّروا غزّة ولبنان وقتلوا الآلاف. في الحرب التي استمرّت أكثر من عامَين ونصف العام، ثبت أنّ إسرائيل لا تملك القدرة على تحقيق نصر مطلق على إيران وأجنحتها في الشرق الأوسط، حتّى لو دعمتها أميركا بكلّ ما أوتيت من قوّة. القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق هذا النصر. أجزاء كثيرة من العالم، بما فيها أوروبا، تعتمد على النفط الإيراني والخليجي. وأوروبا لم تتردّد حين أدارت ظهرها لأميركا وانتقاد إسرائيل، وبعض الدول الأوروبية تدعو إلى مقاطعتها. لا توجد حكومة يمكن أن تتجاهل القوّة المتزايدة للمسلمين في أراضيها. في أميركا، خرج الشعب إلى الشوارع ضدّ الإبادة الجماعية المستمرّة والتجويع الجماعي المستمرّ في غزّة. ثمّة عوامل ضاغطة في الداخل على الإدارة الأميركية تغذّيها حالة الكراهية المتصاعدة ضدّ إسرائيل. لقد تحوّلت إسرائيل إلى دولة مكروهة، خاصّةً بين جيل الشباب، ومن المرجّح ألّا تحصل مرّة أخرى على دعم مماثل لدعم ترامب. نحن في طريقنا إلى أن نصبح (دولةً معزولةً). يجب تغيير عقليتنا، والمَخرج هو حلّ القضية الفلسطينية لا إدارتها وتهدئتها، بل توفير حلّ يعطي الفلسطينيين أملاً، ويجلب مزيداً من الدول العربية والإسلامية إلى التطبيع مع إسرائيل. الفلسطينيون لن يغادروا. لن يزولوا. لن يتخلّوا عن قضيتهم. فإمّا أن تغيّر إسرائيل طريقة تفكيرها، وتفهم أنّ الاحتلال لا مكان له، أو أن تبقى في حروب لا تنتهي، تزيد من عزلتها وكراهيتها في العالم".
هذه عيّنات من مواقف من قلب التركيبة الإسرائيلية، وأعضاء في الكنيست، وعسكريين وسياسيين، يطلقها مسؤولون عاشوا تجاربهم، وتابعوا ما جرى، واستخلصوا الدروس والعِبر. مواقف تدين إسرائيل، وتحذّر من اشتداد الحصار والخناق العالمي حولها، وتتحدّث عن "وحوش" و"إرهابيين"، وعن بعض المستوطنين والداعمين لهم وحماتهم ورعاتهم ومشجّعيهم ومسلّحيهم من داخل الحكومة، وتصف النظام بـ"الفصل العنصري"، وتخشى أن يتحوّل الحصار إلى حصار ضدّ إسرائيل دولةً، في مقاربتهم لموقف حكومات وشعوب العالم من "الإبادة الجماعية" ضدّ الفلسطينيين. والأهم أنّهم يؤكّدون: "الفلسطينيون لن يغادروا".

غيّر إيمان الفلسطينيين وثباتهم وإرادتهم وصبرهم وتمسّكهم بالأرض والحقّ، حساباتٍ كثيرة في النظرة إلى أساس الصراع في المنطقة
إيمان الفلسطينيين وثباتهم وإرادتهم وصبرهم وقوّتهم وشجاعتهم وتمسّكهم بالأرض والحقّ، ثوابت كرّست هذه الحالة العالمية التي تؤرّق إسرائيل، وتحذّر منها أميركا نفسها، وغيّرت حسابات كثيرة في النظرة إلى أساس الصراع في المنطقة، وإلى حقّ الفلسطينيين في العيش بكرامة في أرضهم وبناء دولتهم، وفضحت السياسة الإسرائيلية. هذه الحالة التي نعيشها اليوم موقّعة "بالدم الفلسطيني". نعم، الفداء الفلسطيني، والوفاء الفلسطيني، والروح الفلسطينية، والاستثناء الفلسطيني. هذه الثوابت هي ميزة هذه المرحلة التي تحاصر إسرائيل دولياً وإعلامياً وسياسياً وإنسانياً وأخلاقياً في العالم. فهل يمكن أن نكون نحن العرب خارج دائرة الفعل والتأثير والمواكبة، ونبقى داخل دائرة الضغط علينا والامتثال لإرادة الآخرين، لنذهب بذلٍّ إلى إنقاذ إسرائيل بالتطبيع المجّاني معها؟
لن تأتي لحظة أو مرحلة أهم وأقوى من المرحلة الحالية على عدة مستويات، العالمي والسياسي والشعبي، تسمح لنا بالاستفادة من الإدانة العامّة لإسرائيل، وتحميلها مسؤولية "الإبادة الجماعية" و"الفصل العنصري" والاحتلال والإرهاب وقتل الأطفال وتدمير المستشفيات وقتل واعتقال الأطبّاء، وسنّ قانون إعدام الأسرى (في وقت تذهب غالبية دول العالم إلى إلغاء قوانين الإعدام)، ونشر التماسيح حول السجون لترهيب المعتقلين وتهديدهم بأنّ مصيرهم معروف، وهو التهام التماسيح لهم إذا حاولوا الهرب.
لن تأتي لحظة أو مرحلة أهمّ وأقوى من المرحلة الحالية التي تحاول إسرائيل، بقيادة نتنياهو، الخروج منها وفكّ الحصار عن نفسها بمحاولات فرض أمر واقع جديد. وثمّة قوى تساعد إسرائيل في أميركا وغيرها. لكنّ المسؤولية العربية، التي تبدأ بمسؤولية الإدارة الفلسطينية، كبيرةٌ جدّاً في اعتماد سياسات تُشعر، على الأقلّ، من وقفوا إلى جانبنا أنّنا نقف مع أنفسنا ومع إخواننا الفلسطينيين، وفي الجانب الصحيح من التاريخ، مع الحقّ والعدالة والقانون والضمير، نحمي مستقبلنا، ونسقط محاولات استفزازنا وابتزازنا ورهن ثرواتنا وإخضاعنا. السياسات المطلوبة ليست ثقيلةً. سبقتنا شعوب العالم إليها. هل نغيّر نحن أيضاً عقليتنا؟

االعربي الجديد
أخبار مماثلة