(رسالة القضاء في إقامة الحق وصون الإنسان)
ما من صورةٍ أبهى للعدلِ من قاضٍ يجلسُ على منصَّةِ الحكم، مجرَّدًا من كلِّ سلطانٍ سوى سلطانِ الحق، لا يرى في الوجوهِ إلا إنسانيتَها، ولا يسمعُ في الخصوماتِ إلا صوتَ الحقيقة. فالقضاءُ ليس حجرًا في بناءِ الدولة فحسب، بل هو روحُها التي تسري في أوصالِها، والمرآةُ التي تنعكسُ عليها أخلاقُها، والميزانُ الذي يكشفُ مقدارَ ما فيها من احترامٍ للإنسان وحرمةِ الحقوق.
إنَّ الأممَ لا تُخلَّدُ بكثرةِ ما تشيِّدُ من القصور، ولا بعظمةِ ما تجمعُ من القوَّة، وإنما بما تُقيمُه من عدلٍ بين الناس؛ فالعدلُ هو الدعامةُ الخفيَّةُ التي تحملُ صرحَ الحضارة، والأساسُ الذي إذا تصدَّع لم تُغنِ عن الدولةِ حصونُها ولا جيوشُها. وما سقطت أمَّةٌ إلا حين اختلَّ ميزانُ الإنصافِ فيها، فصار القويُّ بمنأى عن الحساب، والضعيفُ بعيدًا عن الحماية.
والقضاءُ العادلُ قبل أن يكونَ نصوصًا تُتلى، هو ضميرٌ حيٌّ يسكنُ في نفسِ القاضي؛ فالقاضي لا يحملُ مطرقةً لإصدارِ الأحكام، بل يحملُ أمانةً ثقيلةً تتعلَّقُ بها حقوقُ الناسِ وأقدارُهم. ومن أجلِ ذلك كان استقلالُ القضاءِ جوهرَ العدالةِ وأصلَها، فلا يخضعُ القاضي لهوى حاكم، ولا لضغطِ صاحبِ نفوذ، ولا لبريقِ مال، لأنَّ اللحظةَ التي ينحني فيها ميزانُ القضاءِ أمام غيرِ الحق، هي اللحظةُ التي يفقدُ فيها المجتمعُ أحدَ أعظمِ أركانِ أمنِه وطمأنينتِه.
وليس استقلالُ القضاءِ مجرَّدَ شعارٍ يُرفع، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ تُصانُ بها حرمةُ العدالة؛ تبدأُ بحسنِ اختيارِ القضاة، وتمتدُّ إلى ضمانِ نزاهتِهم، وحمايتِهم من كلِّ مؤثِّرٍ يَحُولُ بينهم وبين أداءِ رسالتِهم، وتنتهي بمحاسبةٍ عادلةٍ تحفظُ للقضاءِ هيبتَه، وللمجتمعِ ثقتَه.
ثمَّ إنَّ العدلَ لا يُعرَفُ بنتيجةِ الحكمِ وحدها، بل يُعرَفُ كذلك بالطريقِ الذي سلكه الحكمُ حتى بلغ غايتَه. فالمحاكمةُ العادلةُ ليست إجراءً شكليًّا، وإنما هي سياجٌ يحمي الإنسانَ من التعسُّف، ويمنحُ الحقيقةَ فرصتها الكاملةَ في الظهور. فيها يُسمَعُ صوتُ الدفاع، وتُصانُ كرامةُ المتقاضي، وتتساوى الأقدامُ أمامَ القانون، فلا يُرفعُ أحدٌ لمكانته، ولا يُخفضُ أحدٌ لضعفه.
ولئن كان من وظائفِ القضاءِ أن يُنزلَ العقوبةَ بمن استحقَّها، فإنَّ رسالتَه الأسمى تتجاوزُ العقابَ إلى إقامةِ التوازنِ في حياةِ الناس. فهو يعيدُ الحقَّ إلى صاحبه، ويرفعُ الظلمَ عن المقهور، ويمنحُ المظلومَ يقينًا بأنَّ للعدالةِ بابًا يُطرَق، وأنَّ الحقَّ، وإن تأخَّر، لا يموتُ ما دام وراءَه قضاءٌ نزيه.
إنَّ القضاءَ العظيمَ هو الذي لا يجعلُ من القانونِ حروفًا جامدة، بل يجعله روحًا نابضةً بالإنصاف. فالقانونُ بلا عدلٍ قد يتحوَّلُ إلى أداةٍ للبطش، أمَّا حين يسكنُه الضميرُ ويهديه الإنصاف، يصبحُ حصنًا للحرية، وملاذًا للكرامة، وطريقًا إلى السلمِ الاجتماعي.
ومن أجلِ بلوغِ هذه الغاية، لا بدَّ من بناءِ مؤسسةٍ قضائيةٍ راسخة، تُعنى بتكوينِ القضاةِ علمًا وخُلُقًا، وتُحدِّثُ قوانينَها بما يواكبُ تحوُّلاتِ العصر، وتستثمرُ في وسائلِها التقنيةِ والإدارية، حتى تصبحَ العدالةُ قريبةً من الناس، سريعةً من غير عجلة، حازمةً من غير قسوة، رحيمةً من غير ضعف.
فالقضاءُ في جوهرِه ليس مجرَّدَ فصلٍ في خصومة، بل هو عهدٌ بين الإنسانِ والحق، وبين الدولةِ وضميرِها. وحين يجلسُ القاضي ليحكم، فإنَّما تُختبرُ أمامَه صورةُ المجتمعِ كلِّه: أهو مجتمعٌ يُكرمُ الإنسانَ أم يهدرُ كرامته؟ يُنصفُ الضعيفَ أم يتركُه فريسةً للقوي؟ يحمي الحقَّ أم يساومُ عليه؟
وما دام ميزانُ القضاءِ قائمًا على الحقِّ، لا تميلُ كفَّتُه أمامَ جاهٍ أو سلطان، تبقى للأوطانِ هيبتُها، وللناسِ طمأنينتُهم، وللعدلِ مكانُه الرفيع. فليس أعظمُ من قضاءٍ يجعلُ الإنسانَ آمنًا في حقِّه، مطمئنًّا إلى أنَّ فوقَ كلِّ قوَّةٍ قوَّةَ القانون، وفوقَ كلِّ صوتٍ صوتَ العدل.