في خضم ما يُطرح اليوم من مبادرات وخطط تتعلق بقطاع غزة، وما يصاحبها من تصورات أمنية وسياسية لليوم التالي للحرب، يواصل بعض الكُتّاب والساسة في المستعمرة الإسرائيلية إنكار وجود الشعب الفلسطيني، أو التشكيك في حقوقه الوطنية والتاريخية، وكأن جوهر الصراع يكمن في غزة وحدها، أو في ترتيباتها الأمنية، وليس في استمرار الاحتلال وإنكار الحقوق.
لقد أثبتت التجربة، منذ أكثر من سبعة عقود، أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية، أو اختزالها في بعدها الأمني أو الإنساني، لم تُنتج سلامًا، ولم توفر أمنًا، بل أدت إلى تجدد الصراع واتساعه. فلا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا قام على تجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية قطاع غزة وحده، ولا قضية الضفة الغربية وحدها، وإنما قضية شعب له هوية وطنية ثابتة، وحقوق أقرتها الأمم المتحدة والشرعية الدولية، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين وفق المرجعيات الدولية.
ومن هنا، فإن أي ترتيبات مستقبلية تخص قطاع غزة يجب أن تكون جزءًا من حل سياسي شامل، لا بديلًا عنه.
فلا إعادة إعمار مستدامة دون أفق سياسي، ولا إدارة مستقرة دون وحدة وطنية فلسطينية، ولا أمن دائم مع استمرار الاحتلال والاستيطان.
إن الوصول إلى سلام عادل يقتضي التزامات متبادلة وواضحة.
فمن جهة، يتعين على المستعمرة الإسرائيلية إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية، وإزالة المستوطنات المقامة بالمخالفة للقانون الدولي، والاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ومن جهة أخرى، فإن نجاح أي تسوية يقتضي إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من بسط ولايتها الكاملة على قطاع غزة، وتوحيد المؤسسات المدنية والأمنية، وحصر السلاح بيد السلطة الشرعية وحدها، بما في ذلك نزع سلاح الفصائل المسلحة، ومن بينها حركة حماس، بحيث يكون قرار السلم والحرب قرارًا وطنيًا واحدًا تصنعه المؤسسات الشرعية الفلسطينية.
إن هذه ليست شروطًا لمنتصر على مهزوم، ولا إملاءات من طرف على آخر، وإنما هي متطلبات موضوعية لأي سلام قابل للحياة، يحقق الأمن والكرامة والعدالة لجميع الأطراف.
لقد أثبت التاريخ أن القوة العسكرية تستطيع أن تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تخلق شرعية، ولا أن تُنهي تطلع الشعوب إلى الحرية.
كما أثبت أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن إنكار وجود شعب أو حقوقه لم يكن يومًا طريقًا إلى الاستقرار.
إن من ينكر وجود الشعب الفلسطيني أو يرفض الاعتراف بحقوقه الوطنية، إنما يحكم على الأجيال القادمة باستمرار الصراع.
ومن يعتقد أن الاحتلال والاستيطان يمكن أن يصنعا أمنًا دائمًا، يتجاهل دروس التاريخ وحقائق الواقع.
لن تنعم المستعمرة الإسرائيلية بالأمن الحقيقي إلا عندما تعترف بأن للشعب الفلسطيني حقوقًا وطنية غير قابلة للتصرف، وأن إنهاء الاحتلال، وإزالة الاستيطان، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في العودة – وفق المرجعيات المتوافق عليها – وتقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة، بالتوازي مع توحيد النظام السياسي الفلسطيني وحصر السلاح بيد السلطة الشرعية، هو الطريق الوحيد إلى سلام عادل ودائم.
فالعدالة ليست نقيض الأمن... بل هي شرطه الأول، والسلام لا يُصنع بإنكار الشعوب، وإنما بالاعتراف بحقوقها.