20 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 05-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "بين القول والفعل"!
"بين القول والفعل"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-05
"بين القول والفعل"!

 

حدّثني صديقٌ عزيز عن واعظٍ يُدعى أديب، وقف يومًا بين الناس خطيبًا، يدعو إلى التسامح والتراحم، ويحضّهم على الصفح والعفو فيما بينهم.

وأمام الجموع المحتشدة، استغرقته حرارة الموعظة فقال: «علينا أن نسامح بعضنا بعضًا، فكيف نرجو من الله أن يغفر لنا، ونحن لا نغفر لإخواننا من البشر؟».

وحين أنهى كلمته، ارتسمت على وجهه ابتسامة وادعة، ثم اصطحب زوجته وغادر القاعة بعد خطبةٍ بدت مؤثرة في نفوس الحاضرين.

وفي طريق العودة إلى المنزل، قالت له زوجته:
"هناك أمرٌ مهمّ أريد أن أبوح لك به، لكنني كنت مترددة. غير أن كلامك اليوم منحني الشجاعة لأصارحك."

فقال برفق:
"تحدّثي يا عزيزتي."

قالت:
"لقد أخذت ساعتك الذهبية وبعتها لأشتري بعض الحاجات التي كنت أفتقدها."

وما إن سمع كلامها حتى أوقف السيارة فجأة، والتفت إليها مذهولًا قائلًا:
"ماذا تقولين؟!"

أجابت بهدوء:
"نعم. كنت بحاجة إلى مبلغ من المال، وأنت منشغل عني، فلم أجد أمامي سوى هذا السبيل."

فلم يتمالك نفسه، وصفعها قائلًا بغضب:
"هذا سرقة! وهل طلبتِ مني شيئًا فامتنعت عن إعطائك؟"

ابتسمت رغم قسوة الموقف، وقالت في هدوء:
"أردت فقط أن أختبر صدق موعظتك، وهل ستسامحني كما دعوت الناس قبل قليل إلى التسامح. اطمئن... ساعتك ما زالت في معصمك، لكنك لم تنتبه إليها."

وهنا انكشف الفارق بين الكلمات حين تُقال، والقيم حين تُمارس. فليس أصعب على الإنسان من أن يكون أول الممتحنين بما يدعو إليه، وأشدّ الامتحانات أن يلتقي المبدأ بالمصلحة، والشعار بالغضب، واللسان بالفعل.

إن الموعظة التي لا تنعكس سلوكًا ليست سوى صدى كلمات، والفضيلة التي لا تصمد أمام أول اختبار تبقى ادعاءً جميلًا لا أكثر.

وخلاصة القول: لا تطلب من الناس أن يتحلّوا بما تفتقده أنت، ولا تدعُ إلى خلقٍ لم يترسّخ في نفسك. فالكلمة تبلغ القلوب حين يسبقها العمل، أما إذا خالف الفعلُ القول، سقطت هيبة الواعظ، وضاع أثر الموعظة.

وما أكثر الواعظين في بلادي، وما أقلّ من يعظهم ضميرهم قبل أن يعظوا الناس.


القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة