ثمة جدل لم تنتهِ تفاصيله بين السياسيين حول “قانون العفو العام”، المترنح منذ سنوات في أروقة اللجان النيابية بين مدّ وزارة العدل وجزر الحسابات السياسية للقوى الساعية إلى الاستثمار فيه وتجيير نتائجه لصالحها.
صحيح أن هذا الملف أخذ حيزًا من التداول بعد تعطيله أكثر من مرة، إلا أن الأصح هو أن يُبصر القانون النور خدمةً للعدالة؛ إذ لا يجوز أن يبقى ملف بهذه الحساسية، بما يحمله من تداعيات على الداخل اللبناني من جهة، وعلى البعد الإنساني من جهة أخرى، معلقًا على شماعة القوى السياسية الفاعلة، من دون أن يُحسم قضائيًا، سواء لجهة البت في أوضاع المحكومين، وتحديدًا أنواع الجرائم المرتكبة وطبيعة الأحكام الصادرة بحقهم، أو لجهة إنصاف القضية بما يستوجب من إجراءات، حتى لا يؤخذ الصالح بجريرة الطالح في هذا الملف.
غير أن الحقيقة تكمن في ضرورة حسم ملف حساس له علاقة بأمن الدولة، إما باتجاه إصدار الأحكام المبرمة، أو استخلاص نتائجه عبر تسويات قانونية، بعيدًا عن المناكفات والحسابات الطائفية والمذهبية، تجسيدًا لروح العدالة واحترامًا للقانون الذي يفترض أن يكون فوق الجميع.
بعد جلسة تموز… خلط أوراق جديد
بعد الجلسة العامة الأخيرة في تموز المنصرم، كشفت المواقف السياسية عن خلفيات من حملوا الملف كبند أساسي في مداولات الهيئة العامة. وعندما وصل الأمر إلى مرحلة التصويت، انسحب نواب كتلة “الجمهورية القوية”، التي روّجت لمشروع القانون على مدى سنوات في مواقفها المعلنة، ما أدى إلى فقدان نصاب جلسة التصويت والحؤول دون إقرار القانون، وأعاد خلط الأوراق مجددًا.
كما خلق ذلك هوة بين عدد من الكتل النيابية و”القوات اللبنانية”، ولا سيما أن رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، حاول تبرير قرار الانسحاب، إلا أن ذلك لم ينجح في احتواء التداعيات السياسية التي خلّفها موقف كتلته النيابية.
ماذا في التفاصيل؟
تقول مصادر متابعة إنه، بعد توافق النواب السنة على صيغة مشتركة لاقتراح قانون العفو العام، بما يمنع تبادل الاتهامات والمزايدات في ما بينهم، ويسهّل إقناع الكتل النيابية بدعمه، التقت لجنة صياغة اقتراح قانون العفو العام، المنبثقة عن لقائهم الموسع، رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أبدى تعاونًا مرنًا وتجاوبًا مع الطرح، ما شكّل خطوة متقدمة باتجاه إمكانية إقرار قانون العفو العام وطي ملف الموقوفين الإسلاميين بعد سنوات طويلة من التحركات والمطالبات.
واستعرض النواب أمام الرئيس بري التعديلات على اقتراحي قانونَي العفو العام وإلغاء عقوبة الإعدام، التي توافقوا عليها بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، وهي:
أولًا: إلغاء عبارة “المشددة” الواردة في اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، بما يتيح لأكثر من ثلاثين محكومًا بالإعدام الاستفادة من تخفيض سنوات أحكامهم السجنية.
ثانيًا: استبدال عقوبة السجن المؤبد بسبع عشرة سنة سجنية.
ثالثًا: إتاحة استفادة الملاحقين بجرائم ذات حق شخصي من قانون العفو العام، شرط عدم ارتكابهم ما تم الاتفاق على تسميته بـ”الجرائم الشائنة”، كالقتل العمد، والاغتصاب، والاعتداءات الجنسية، والاغتيالات السياسية، والجرائم المرتكبة بحق أحد أفراد العائلة.
رابعًا: إطلاق سراح الموقوفين الذين أمضوا اثنتي عشرة سنة في السجن، على أن يتابعوا محاكماتهم وهم خارج السجن، وأن تُحتسب مدة توقيفهم من الحكم النهائي.
وتشير المصادر إلى أنه بذلك ستتم معالجة نحو مئة وعشرين قضية لموقوفين إسلاميين، على دفعات متفاوتة؛ فمنهم من يخرج فورًا، فيما يُطلق سراح آخرين خلال العامين المقبلين، ومن بينهم الشيخ أحمد الأسير، الذي سيُخلى سبيله بعد نحو سنة ونصف السنة، مع استمرار محاكمته واستدعائه حيث يقتضي القانون.
بين العدالة وحقوق الضحايا
لكن السؤال الأبرز، الذي تطرحه أوساط متابعة بالاستناد إلى شهادات ذوي شهداء الجيش اللبناني والمدنيين الذين كانوا ضحايا لأعمال إرهابية طالت أمن الدولة واستقرارها، هو: كيف يستقيم في القانون أن يتساوى من ارتكب أفعالًا جرمية عن سابق تصور وتصميم مع من ارتكب جرائم في سياق ثارات شخصية أو إشكالات متفرقة؟
وفي كل الحالات، إذا كان هذا الملف قد أخذ حيزًا كبيرًا من المد والجزر السياسي، فلا بد من وضع نهاية واضحة له، أقلها تثبيت قاعدة أن القانون “يعلو ولا يُعلى عليه”، بغض النظر عن المقاسمات والمساومات التي تفرض نفسها على مسار العدالة المتذبذبة بفعل التركيبة الطائفية والسياسية في لبنان.أخبار إقليمية
ولربما من هذا المنطلق جاء تجاوب رئيس مجلس النواب نبيه بري مع مبادرة النواب السنة لإغلاق الملف، ولكن على قواعد تحفظ هيبة القانون والدولة معًا، من دون تسويف أو بطاقات ترضية لأي طرف.
وعليه، أوعز بري إلى معاونه السياسي، النائب علي حسن خليل، البدء بمروحة من الاتصالات مع القوى والكتل النيابية، بهدف تذليل العقبات قبل موعد الجلسة التشريعية المفترضة قبل نهاية شهر آب الحالي.
على أن تُستكمل الاتصالات لمعالجة أي اعتراضات قد تكون موجودة لدى الكتل الأخرى، بمن فيهم نواب حزب الله، الذين لا يمانعون التعديلات، وفق ما أبلغ بري الحاضرين.