26 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 11-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "صدقُ الكلمة"!
"صدقُ الكلمة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-11
"صدقُ الكلمة"!

لأصحابِ الكلمةِ الصادقةِ مزيدٌ من الأشواق، والشوقُ إلى أهلِ الصدقِ في الله أعظم؛ ومع أصحابِ الكلمةِ الطيّبةِ حبلٌ من وصال، ووصالُ الدعاءِ أبقى وأدوم.

ومن روائعِ المحبّةِ في الله أن يتذكّر المرءُ أنّ له في كلّ لحظةٍ إخوانًا أوفياء، ينتظرون منه دعوةً صادقةً في ظهر الغيب؛ فالدعاءُ جسرُ محبّةٍ لا تقطعه المسافات، ولا تُضعفه الأيام.

أسألُ اللهَ لي ولكم قطراتٍ من سحائبِ كرمه، لا تُبقي لنا ذنبًا، ونظرةً من رضاه لا تترك لنا كربًا، ورحمةً من خزائنِ جوده لا تدع لنا همًّا ولا حزنًا، وأن يملأ قلوبنا يقينًا ورضًا، وأيامنا بركةً وسكينة.

وللمرّةٍ ألألف أُفضّلُ أن أُجالسَ الصّادقين على الحصير، على أن أُجالسَ المنافقين على الحرير؛ فمجالسةُ الصالحين كنزٌ ثمينٌ لا ينفد، وصحبتُهم تُهذّب الروحَ وتُصلح القلب، أمّا مجالسةُ أهلِ النفاقِ فمظنّةُ أذى، ونارٌ من الشكوكِ والضغائن لا تخبو.

فعُقدةُ المنافقِ الانشغالُ بقراءةِ نيّاتِ الآخرين، والاعتكافُ على هذا الوهم، حتى يغدو أسيرَ ظنونه، يضمرُ الكرهَ للناس، ويعيش في عزلةٍ عن صفاءِ القلوب.

أمّا الصادقُ، فلسانُه رطبٌ بذكرِ الله، وكلمتُه طيّبة، وحضورُه يبعثُ السكينةَ في النفوس؛ تهدأُ معه القلوب، وتأنسُ به الأرواح، وتطربُ الآذانُ لجمالِ حديثه، لأنّ ما يخرج من القلبِ يصلُ إلى القلب.

وقد جاء في محكمِ التنزيل قولُه تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.

فما أحوجَنا، في زمنٍ كثرت فيه الأقنعةُ واختلطت فيه الكلمات، إلى أن نُعيدَ للكلمةِ الصادقةِ مكانتَها، وللنّيةِ النقيّةِ قدرَها، وللصحبةِ الصالحةِ معناها. وليس الصدقُ أن نقولَ ما نريد فحسب، بل أن تتوافقَ الكلمةُ مع القلب، والقولُ مع الفعل، والسريرةُ مع العلانية.

ولنتوجّه جميعًا بالقولِ الصادق في كلّ مرّة، سائلين اللهَ أن يديمَ علينا النِّعم، ويصرفَ عنّا النِّقم، وأن يجعلَ كلماتِنا مفاتيحَ للخير، وقلوبَنا مواطنَ للرحمة، وأعمالَنا شاهدةً على ما نقول.

وما بين صدقِ الكلمةِ ونقاءِ السريرةِ تُبنى جسورٌ لا تهدمُها عواصفُ الزيف، وتُزرع في القلوبِ طمأنينةٌ لا تعرفُ الانطفاء. فالكلمةُ الصادقةُ ليست حروفًا تُقال، ولا عباراتٍ تُزيّن المجالس؛ إنّما هي نورٌ يُهتدى به، وأمانةٌ تُؤدّى، وميزانٌ تُعرفُ به معادنُ الرجال.

وقد لا يملك الإنسانُ تغييرَ كلّ ما حوله، لكنّه يملك أن يختارَ كلمتَه، وأن ينقّي سريرتَه، وأن يتركَ في قلوبِ الآخرين أثرًا طيّبًا. وربّ كلمةٍ صادقةٍ رفعت قلبًا منكسرًا، وربّ دعاءٍ خفيٍّ فتح بابًا من الفرج، وربّ صحبةٍ صالحةٍ أنقذت إنسانًا من طريقٍ لم يكن يعرف إلى أين يقوده.

فلنكن ممّن إذا حضروا أَنِسَتْ القلوب، وإذا تكلّموا أراحوا النّفوس، وإذا غابوا بقي أثرُهم طيّبًا، وإذا دعوا لإخوانهم لم ينتظروا شكرًا ولا جزاءً. فالأثرُ الجميلُ هو ما يبقى حين تنتهي الكلمات، والصدقُ هو النورُ الذي لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يُرى.

وفي ختام القول، لا يسعني إلا أن أقول:

«رضيتُ بما قسمَ اللهُ لي، وفوّضتُ أمري إلى ربّي؛ فكما أحسنَ اللهُ فيما مضى، يُحسنُ فيما بقي».

اللهم اجعلنا من أهلِ الصدقِ قولًا وفعلًا، ومن أهلِ الوفاءِ قلبًا وعملًا، وارزقنا صحبةً صالحةً تُذكّرنا بك، وكلمةً طيّبةً تتركُ في النفوسِ أثرًا لا يزول.

جنوبيات
أخبار مماثلة