4 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 19-08-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم دماء على صدر البحر في غزة
دماء على صدر البحر في غزة
وليد العوض
2026-08-18
دماء على صدر البحر في غزة

قبل أن يتربّع قرص الشمس على صدر بحر غزة الأزرق، وقبل أن تنسدل خيوط المساء فوق مياهه، انقضّت الغربان بصواريخها الحارقة على مقهى صغير في ميناء غزة، كان صاحبه قد صنع مقاعده وطاولاته على عجل من أخشاب صناديق كانت تحمل المساعدات، وحوّلها إلى مكان بسيط أسماه «على الحلوة والمرة».
في ميناء غزة المكتظ بالخيام، لم يكن المقهى مجرد مقهى. كان مساحة ضيقة لالتقاط الأنفاس، وملاذًا لمن ضاقت بهم الخيام والشوارع، واشتد عليهم ثقل النزوح والحرب. كان يرتاده رجال ونساء وأطفال وشيوخ، يجلسون معًا دون أن يسأل أحدٌ أحداً  عن بطاقة تعريف، أو عن انتماء، أو عن المكان الذي جاء منه. كان يكفي أنهم فلسطينيون أتعبتهم الحرب، وأنهم وجدوا في هذا الركن الصغير متسعًا لساعة من الحديث، أو فنجان قهوة، أو نظرة إلى البحر.
وعلى رصيف الميناء نفسه، المخصص للصيادين الهواة أمثالي، كنت قبل حرب الإبادة أمارس هوايتي. أحمل صنارتي وكرسيًا من القش ومظلة تقيّني شمس ما بعد العصر، وأجلس ساعات أصطاد ما يطيب من السمك، ثم أدعو بعض الرفاق والأحبة الذين فرّقتنا الحرب. كان ذلك الرصيف بالنسبة لي أكثر من مكان للصيد؛ كان موعدًا هادئًا مع البحر، ومع أصدقاء نلتقي حول ما تصطاده الصنارة، ونترك للحديث أن يأخذنا إلى ما هو أبعد من البحر والسمك.
لم نكن نتصور يومها أن الرصيف الذي اعتدنا أن نبحث فيه عن بعض السكينة، والمقهى الصغير الذي صنع صاحبه مقاعده من خشب صناديق المساعدات، سيصبحان شاهدين على الموت. لم نكن نتصور أن البحر الذي كنا نأتي إليه محمّلين بالصنارات والذكريات، سيستقبل ذات يوم دماء وأشلاء أبنائه.
لكن صواريخ الاحتلال الغادرة لم تسأل هي الأخرى عن بطاقات التعريف.
فجأة، انقضّت على المكان. اهتزت الأرض تحت أقدام الجالسين، واختلطت صرخات النساء والأطفال بصوت الانفجارات. تطايرت المقاعد الخشبية في الهواء، وتناثرت الطاولات التي صنعها صاحب المقهى من بقايا صناديق المساعدات، وكأن الحرب أرادت أن تقول إن حتى الخشب الذي جاء ليحمل خبزًا ودواءً إلى أهل غزة، يمكن أن يتحول تحت القصف إلى شظايا موت.

وفي لحظات، تحوّل المكان من مقهى صغير يطل على البحر إلى بركة من الدم والركام.

سبعة شهداء غدوا أشلاء، وعشرات الجرحى، بعضهم قذفتهم قوة الانفجار إلى داخل البحر. اختلطت دماؤهم بمياه غزة، وبدت الأمواج كأنها تحمل أجسادهم بعيدًا عن المكان الذي احتموا فيه، فيما كان البحر، الذي اعتاد أن يكون متنفس الغزيين وملاذهم الأخير، يستقبل ضحايا جددًا.
كان المشهد أشبه بلوحة سوداء رسمتها الحرب على صفحة البحر.
دماء على صدر الماء، وأشلاء بين الأمواج، ومقاعد خشبية تطفو فوق سطحه، وأطفال ونساء يبحثون عن أحبة لم يعودوا يعرفون أين انتهت أجسادهم، فيما كان قرص الشمس يهبط ببطء نحو البحر، يكسو مياهه بلون أحمر يشبه الدم.
أيّ قدر هذا الذي جعل بحر غزة، الذي كان يحتضن أحلام الصيادين والأطفال، يتحول مرة أخرى إلى شاهد على موت أبنائه؟
وأيّ حرب هذه التي تطارد الناس حتى إلى البحر، بعدما ضاقت بهم البيوت، ثم الخيام، ثم الشوارع، فلم يجدوا سوى مقهى صغير عند الميناء ليلتقطوا أنفاسهم؟
في غزة، لا يحتاج الموت إلى موعد.
يكفي أن تجلس مع الآخرين على مقعد صنع من خشب صندوق مساعدات، وأن تنظر للحظة إلى البحر، حتى تصبح هدفًا لصاروخ لا يرى فيك سوى رقم آخر في دفتر الموت.
ومع ذلك، سيبقى البحر هناك.
سيغسل دمه كل مساء، لكنه لن ينسى.
فالبحر، مثل غزة، يحفظ في أعماقه كل ما حاولت الحرب أن تمحوه؛ أسماء الذين رحلوا، أصواتهم، ضحكاتهم، وخطواتهم الأخيرة نحو مقاعد مقهى صغير اسمه «على الحلوة والمرة».
وفي ذلك المساء، لم تكن الشمس وحدها تغطس في صدر البحر.
كان سبعة شهداء يغطسون معه، تاركين دماءهم على صدر غزة، وشاهدًا جديدًا على حرب لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تطارد حتى لحظاته الصغيرة بحثًا عن بعض الحياة.        

جنوبيات
أخبار مماثلة