لم تكن دكّان نورا عوض إبراهيم (أم سعيد) مجرّد دكّان صغير في الحيّ الغربي من تجمّع الشبريحا، بل كان جزءاً من حياة الحيّ وذاكرته. كان ديواناً صباحيّاً لنساء الحيّ؛ تجتمع فيه النساء، فتجلس إحداهنّ لتنقر الكوسا، وأخرى لتلفّ ورق العريش، وبين أيديهنّ تدور الأحاديث عن المخيّم وأخباره وهمومه ومشكلاته.
وكانت الدكّانة، ببساطتها، أشبه بمحطّة أخبار؛ فيها يُتداول الحديث عن التنظيمات والمقاومة والعمليات وفلسطين، وعن كلّ ما كان يشغل بال الناس في تلك الأيام.
وأنا، يومها، كنت أجلس مع صديقي أحمد عبدو وعدد من أصدقائنا عند مدخل الدكّانة أو بالقرب منها، ونقضي وقتاً طويلاً على رصيف الشارع نتحدّث في قصص كثيرة. وكلّما زرت الشبريحا لزيارة أقاربي وأصحابي، كان أحمد عبدو يصطحبني إلى الحيّ الغربي من التجمّع، ولا أعرف حتى اليوم لماذا كان يصرّ على الذهاب بي إلى هناك.
كانت علاقتنا بأم سعيد بسيطة؛ علاقة زبائن بدكّانتها الصغيرة. كنّا نشتري منها الشوكولا والعصائر، ثم نجلس بالقرب من الدكّان. وكان أحمد عبدو، في كثير من الأحيان، يتركنا وحدنا ويختفي في الحيّ، ثم يعود بعد وقت قصير.
كانت نورا عوض إبراهيم (أم سعيد) من مواليد فلسطين عام 1938. وبعد وفاة زوجها، وبعد الاجتياح، اجتهدت وفتحت دكّاناً صغيراً، تواجه من خلاله قسوة الحياة وتؤمّن لقمة العيش لها ولأبنائها.
لكن الدكّان لم يكن مجرّد مكان لبيع الحاجيات؛ كان مساحةً من الحياة اليومية لأهل الحيّ، وكانت أم سعيد حاضرةً فيه بحضورها وشخصيتها ومواقفها.
وذات يوم، وقفت دورية راجلة للاحتلال أمام دكّانها. دخل أحد الجنود وطلب منها علبة سجائر. في البداية اعتقد الجندي إنها لم تفهم ما يريده، ثم فقالت له بوضوح إنها لا تريد أن تبيع له، وطردته من الدكّان.
قد يبدو الموقف بسيطًا، لكنه لم يكن كذلك.
امرأة فلسطينية تقف في دكّانها أمام جندي من جنود الاحتلال، وترفض أن تبيع له، ثم تطرده من مكانها.
كان ذلك زمناً يعرف فيه الناس جيداً معنى أن تقف امرأة فلسطينية في وجه جندي مسلّح.
ثم جاء يوم عيد.
جاءت قوات الاحتلال إلى الحيّ تبحث عن ابنها وليد، وأحضرت معها أبا حسين معجّل، واستخدمته درعاً بشريّاً أمامها.
وكان أبو حسين معجّل يقول للناس:
«عمي، والله هُمّ غصب عنّي جابوني بالقوّة معهم.»
ففهم الناس أنه أُجبر على مرافقتهم.
دخل جنود الاحتلال بيت أم سعيد بطريقة همجية، وبدأوا بتخريب أثاث المنزل، حتى إنهم خلعوا باب خزانة قديمة.
ويروي أبو حسين معجّل أنه كان يشعر بالخوف، بينما كانت أم سعيد واقفة أمامهم كالجبل شامخة وثابتة.
كان الخوف حاضراً في المكان، والجنود مدجّجين بالسلاح، لكن نورا (أم سعيد) لم تتراجع.
خلع الجنود باب الخزانة، ودَفعت نورا (أم سعيد) أحدهم، ثم أخبروها أنهم يريدون ابنها وليد.
عندها قالت لهم بصوت جهوري مرتفع:
«إحنا ما عنا زلام تتخبّى بالخزاين. زلامنا بالجبال فوق. إذا كنت زلمة، روح له فوق بالجبال.»
يروي أبو حسين معجّل أنه صُدم في تلك اللحظة، وأن الخوف تملّكه، بينما بقيت نورا (أم سعيد) واقفة وصامدة في مواجهتهم.
كانت امرأة تقف أمام جنود الاحتلال، لكنها في تلك اللحظة لم تبدُ امرأةً خائفة؛ بدت كأنها تقف على أرضٍ لا يمكن اقتلاعها.
كانت تقف خلفها فلسطين؛ فلسطين التي جاءت منها، وحملت اسمها وذاكرتها، وظلّت تسكن قلبها رغم سنوات اللجوء وقسوة الحياة.
وهذه ليست حكاية أم سعيد وحدها.
إنها واحدة من حكايات نساء فلسطين اللواتي حملن أثقال النكبة واللجوء والحروب والاجتياحات، وعشن الخوف والفقدان، لكنهنّ لم يتخلّين عن كرامتهنّ.
نساء فلسطين لم يكنّ بعيدات عن حكاية المقاومة. كنّ في قلبها؛ يقدّمن المساعدة، ويحفظن الأسرار، ويؤمّنّ ما يستطعن للمقاتلين، ويفتحن بيوتهنّ وأبوابهنّ في أصعب الظروف.
وشباب مخيّم البرج الشمالي المقاتلون، ما زالوا حتى اليوم يذكرون مواقف أم سعيد معهم، وكيف كانت تؤمّن لهم المساعدة وتقف إلى جانبهم.
وعندما نستعيد اليوم هذه الحكايات، فإننا لا نستعيد الماضي وحده؛ بل نستعيد وجوهاً وأماكن وأصواتاً ما زالت حاضرة في الذاكرة.
نتذكّر دكّان نورا (أم سعيد)، ونساء الحيّ وهنّ ينقرن الكوسا ويلففن ورق العريش، والأحاديث التي كانت تمتدّ من هموم الناس إلى أخبار المقاومة وفلسطين.
ونتذكّر ذلك الرصيف أيضاً؛ الرصيف الذي كنت أجلس عليه مع أحمد عبدو صالح ذياب وأصدقائنا، نقضي وقتنا في الحديث والحكايات، من دون أن نعرف أن تلك اللحظات ستصبح يوماً جزءاً من ذاكرتنا.
كم تغيّرت الأيام!
تغيّرت الأماكن، وتغيّرت الوجوه، وغاب كثير ممن كانوا يملأون الأزقّة بالحضور والصوت والحكايات. وبقيت الذاكرة وحدها تحفظ تفاصيل تلك الأيام، وتحاول أن تنقذها من النسيان.
لكن أم سعيد ما زالت بيننا.
ما زالت تحمل في ذاكرتها تلك الأيام، وتبقى حكايتها شهادةً حيّة على شجاعة المرأة الفلسطينية، وعلى نساء لم يكنّ يقفن خلف الرجال، بل كنّ في قلب الحكاية، وفي قلب الصمود والمقاومة.
إلى نورا عوض إبراهيم (أم سعيد)، التي وقفت أمام جنود الاحتلال ولم تنحنِ، كلّ التحية والاعتزاز.
لم تكن تبحث عن بطولة، ولم تكن تعرف أن كلماتها وموقفها سيبقيان في ذاكرة من عاشوا تلك اللحظة.
كانت تدافع عن بيتها، وعن ابنها، وعن كرامتها.
لكن بعض المواقف تكبر مع مرور الزمن، وبعض الكلمات لا تموت.
وحين جاء الخوف إلى بيت أم سعيد، لم تتراجع.
وقفت في وجهه... كالجبل.
وتبقى أم سعيد واحدة من نساء فلسطين اللواتي يقلن لنا، بصمت الموقف وقوة الذاكرة، إن المرأة الفلسطينية لم تكن يوماً مجرّد شاهدة على التاريخ...
بل كانت جزءاً من صناعته.