شهدت الساعات القليلة الماضية تحولاً في طبيعة التحركات العسكرية الإسرائيلية حول مرتفعات تلة "علي الطاهر" الاستراتيجية الواقعة في قضاء النبطية، شمال نهر الليطاني في جنوبي لبنان.
وأكدت مصادر لبنانية رفيعة المستوى، أن الهجوم المباشر الذي كانت تمهد له قوات النخبة المدرعة الإسرائيلية تراجع لصالح "تكتيك الخنق الناري الشامل" والمحاكاة التكنولوجية لشبكة الأنفاق المحصنة الممتدة عميقاً تحت التلة.
وكشفت المصادر أن الساعات القليلة الماضية شهدت نشاطاً هندسياً وجوياً مكثفاً غير مسبوق من جانب الجيش الإسرائيلي، حيث رصدت وحدات مراقبة لبنانية قيام الطيران المسير الإسرائيلي ومدفعية الخطوط الأمامية بإلقاء موجات مكثفة من القذائف الفوسفورية والحرارية الحارقة على المنحدرات الشرقية والشمالية للتلة، الممتدة بين "علي الطاهر" وموقع "الدبشة" القديم.
وأوضحت المصادر، أن الهدف الأساسي من هذه الحرائق المفتعلة ليس القتل المباشر، بل جرف الأحراج وتعرية التضاريس بالكامل لكشف مخارج الطوارئ السرية وفتحات التهوية التابعة لما تصفه إسرائيل بـ"المدينة الأرضية".
وأشارت المصادر إلى أن قوة مشاة إسرائيلية مؤللة، مدعومة بجرافات مدرعة ضخمة من طراز (D9)، توغلت عند الأطراف الدائرية لبلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا. وعملت هذه القوة على إنشاء سواتر ترابية وتفخيخ بعض الهياكل الإسمنتية المهجورة عند قاع التلة بهدف إطباق الحصار الناري والدفاعي على 8 فتحات تم تشخيصها كبوابات رئيسة لمجمع الأنفاق المحصن الذي يمتد لمسافة تزيد على الكيلومتر الواحد.
وكانت تقارير إعلامية أفادت في وقت سابق بمحاولة "حزب الله" خلال الساعات الماضية تسيير منظومة من الطائرات المسيرة الموجهة من مناطق إقليم التفاح باتجاه التلة، وذلك بهدف فك الطوق الناري وإيصال بعض المؤن والمعدات للمجموعة المحاصرة في الأسفل، إلا أن شبكات التشويش السيبراني والدفاع الجوي الإسرائيلي اعترضت 3 من هذه المسيرات وأسقطتها فوق منطقة زوطر الشرقية.
وتعود الشرارة المباشرة للتحرك الإسرائيلي الاستثنائي إلى مطلع الأسبوع الجاري، حينما نفذ "حزب الله" هجوماً بطائرة مسيرة انقضاضية استهدف نقطة تجمع عسكرية إسرائيلية في محيط التلة. وأسفر الهجوم عن إصابة ضابط وجنديين إسرائيليين بجروح وصفت بالخطيرة جداً.
وقوبلت تلك الضربة برد فعل إسرائيلي عنيف تضمن موجة غارات جوية طالت بلدات دير الزهراني، أنصار، والنبطية الفوقا، مخلفة أكثر من 11 شهيدا مدنياً.
وأعلن الجيش الإسرائيلي نجاحه في اغتيال قياديين بارزين هما: "أبو حسن علاء" (قائد محوري في وحدة بدر العسكرية)، وعلي سمير الحاج حسن (قائد كتيبة في فرقة الرضوان النخبوية)، وهو ما اعتبرته تل أبيب تصفية لـ"مركز العقول" المدبّر لعمليات التلة.
ويؤكد المحلل السياسي مهنا الدروب، أن تلة علي الطاهر لم تعد مجرد تفصيل جغرافي، بل تحولت إلى "صندوق بريد سياسي ناري" وعقدة صراع كبرى تتداخل فيها الحسابات الإقليمية من بيروت وتل أبيب وصولاً إلى واشنطن وطهران.
ويشير إلى أن التحرك الإسرائيلي في الساعات الأخيرة حول تلة علي الطاهر يؤكد الانتقال إلى تكتيك "الموت الصامت" أو الردع العقابي المتدرج.
ويوضح أن إسرائيل تعتمد الآن على عنصر الوقت وقطع الأكسجين، المياه، والإمدادات اللوجستية. وهم يراهنون بذلك على دفع المقاتلين المحاصرين بالداخل إلى الاستسلام أو العثور على ثغرة تكنولوجية تمكنهم من استخدام قنابل ارتجاجية مخصصة لتدمير الهياكل الخرسانية العميقة دون الحاجة لإرسال جنود.
ويرى أن الحفاظ على هذه المرتفعات يُعد هدفا استراتيجياً ليس فقط للحزب، بل للقيادة الإيرانية (الحرس الثوري) التي ترى في هذه المعارك الميدانية أوراق ضغط متبادلة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتخفيف الحصار الاقتصادي والبحري.
وكانت تقارير إعلامية أكدت في وقت سابق، أن واشنطن منحت تل أبيب ما يمكن وصفه بـ"الضوء الأخضر" ــ أي غطاء سياسي لعملية جراحية محدودة ومحاصرة الأنفاق في تلة علي الطاهر دون الانزلاق إلى اجتياح بري يقود إلى مواجهة إقليمية شاملة تشترك فيها أطراف أخرى.
وأبلغت واشنطن الجانب اللبناني صراحة بأنها "لا تملك القدرة على كبح جماح الرد الإسرائيلي بالكامل" طالما استمرت هجمات الطائرات المسيرة التابعة للحزب من تلك المنطقة.
يشار إلى أن الدولة اللبنانية تبدي تمسكاً صارماً بـ"اتفاق الإطار" والمخرجات الدبلوماسية التي تم التوصل إليها سابقاً في روما وواشنطن.
وتؤكد السلطات اللبنانية رفضها القاطع لأي محاولات إسرائيلية تهدف إلى تعديل الخرائط والحدود وفرض واقع تفاوضي جديد تحت وطأة السلاح؛ لاسيما ما يُعرف بـ"الخط الأصفر المقترح".
وترى بيروت أن المخرج المستدام الوحيد للأزمة يتمثل في بسط سيطرة الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية على كامل الحدود، وذلك بالتنسيق والمؤازرة مع الرعاة الدوليين.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فقد دخلت معركة تلة "علي الطاهر" مرحلة "كسر العظم التكنولوجي والناري". وبينما يواصل الجيش الإسرائيلي محاصرة السطح واستخدام سلاح الحرق الفوسفوري والتشويش لقطع الأنفاس عمن هم في الأسفل، يبقى الميدان مرشحاً لكل الاحتمالات؛ فإما أن تنجح الضغوط الأميركية في فرض "ستاتيكو" مؤقت يحافظ على ما تبقى من اتفاق الإطار، أو تنجح مسيرة مباغتة أخرى في خلط الأوراق مجدداً ودفع المنطقة برمتها نحو المجهول.