ويكفيني من الدنيا جمالًا أن يكون هناك قلبٌ يحبني دون أن أعلم، يرفع اسمي إلى السماء في غفلةٍ مني، ويناجي الله أن يمنحني ما أتمنى، ويصرف عني ما أخشاه.
هناك، في عتمة الليل، حين تهدأ الأصوات وتخفت الوجوه، يجلس ذلك المحب في صمته النقي، يهمس باسمي دعاءً، لا ينتظر مني شكرًا، ولا يرجو مني ردًّا، بل يكتفي بأن يراني بخير.
وأنا، دون أن أدري، أشعر بشيءٍ من الطمأنينة يتسلل إلى قلبي، كأن لطفًا خفيًا يحيطني، وكأن يدًا رحيمة تمسح عن روحي تعب الأيام.
كم هو جميل أن يكون للإنسان نصيبٌ من دعاءٍ صادق، لا تراه العيون، ولا تسمعه الآذان، لكنه يبلغ السماء، فيعود إلى القلب سكينةً، وإلى العمر نورًا، وإلى الروح يقينًا بأن الخير قد يأتي أحيانًا من حيث لا ندري.
ولعل أجمل ما في المحبة الصادقة أنها لا تحتاج إلى إعلان، ولا إلى شاهدٍ أو دليل؛ يكفيها أن يختارك أحدهم في خلوته، ويذكرك أمام الله بكلمةٍ طيبة، وأن يتمنى لك من الخير ما يتمناه لنفسه، دون أن تعرفه أو تشعر به.
لست أدري من يكون، ولا كيف اختارني هذا الدعاء، لكنني أعلم أن في الحياة أرواحًا طيبة، تحب في صمت، وتمنح في خفاء، وتزرع الخير دون أن تنتظر حصادًا.
وإذا كان في الدنيا شيءٌ لا يُرى أثره بالعين، فالدعاء واحدٌ من أعظمه؛ فقد يفتح الله به بابًا أُغلق، ويدفع به شرًّا لم نعلم أنه كان يقترب منا، ويمنح القلب قوةً في لحظةٍ ظنّ فيها أنه لم يعد يحتمل.
فالحمد لله على قلوبٍ لا نعرفها، لكنها تعرف طريقها إلينا بالدعاء، وعلى محبةٍ لا تُقال، لكنها تُرفع إلى السماء، وعلى لطفٍ خفيّ يرافقنا دون أن نراه.
ولعل العبرة الأجمل أن الخير الذي تمنحه في الخفاء لا يضيع؛ فكما قد يكون لك في هذه الحياة قلبٌ يدعو لك دون أن تعلم، كن أنت أيضًا ذلك القلب الذي يترك أثرًا جميلًا في حياة الآخرين دون انتظار مقابل. فليس أجمل من محبةٍ لا يعرفها الناس، ويعرفها الله.