يعيش العالم العربي ومعه العالم الإسلامي إلى جانب الأزمات التي نشأت عن الهيمنة الأميركية على أحوال صعبة تراكمت تأثيراتها وفْق تخطيط مبرمَج لبقائها على درجة من العُسر، النمو المتزايد لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات وإتاحة أن يقول أي مواطن مِن خلال الهاتف الذي في حوزته ما يريد قوله، مدحاً أو شتماً أو كشْف كثير من المستور لدى المؤسسات والعائلات وبما يضفي عليها علامات إستفهام كثيرة. هذا عدا بدعة إستعمال صور يتم إلتقاطها لفتيات أو سيدات أو رجال أعمال ويمتزج الكلام حولها بالإفتراء أحياناً ثم بالتشهير لاحقاً.
ثم وسْط تداعيات أفرزتْها الأجهزة التلفزيونية المتقدمة والتي وصلت إلى حد تأدية أدوار تجسسية ونشْر معلومات ذات أغراض غير سليمة النية، دخلت ظاهرة الذكاء الإصطناعي على خط الإبتكارات فأدى ظهوره إلى إنتشار سريع لها وبحيث أن القيم وطبيعة العمل والحياة الخاصة للمواطن باتت عرضة قلق مِن هذا الذكاء الذي بدأ يدق أبواب التقاليد والوظائف والشركات على أنواعها فيبدأ بالتدرج حالة من الإلغاء المريع يدفع ثمنه ملايين أنهوا مراحل التعليم التقليدية ثم باتوا أمام ظاهرة الذكاء الإصطناعي يلغي وجوب التفكير في تأدية واجب ما بالأسلوب التقليدي، ويختصر هذا الذكاء الواجب بثوان بعدما كان يستغرق بضعة أيام وأحياناً أكثر.
ثم ها هو الظاهرة العِلمية ورائد التكنولوجيا المتقدمة بيل غيتس يبدي حديثاً (الخميس 27 آب 2026) الخشية مِن مخاطر الذكاء الإصطناعي على الوظائف بشكل خاص وعلى حياة البشر عموماً، ويقول بالتحديد «حتى في أفضل الظروف سيكون الإنتقال إلى عصر الذكاء الإصطناعي الجديد واحداً مِن أكثر الفترات إضطراباً في تاريخ البشرية». ثم يقول ما يشبه التحذير مِن تأثير الذكاء الإصطناعي على الأطفال «لأن روبوتات الدردشة قد تكون مسبِّبة للإدمان...».
تنبيهات بل غيتس كثيرة. وبالعودة إلى ما بدأناه فإن ما يستوقفنا هو أن دار الإفتاء المصرية عقدت هذا الشهر (أيلول 2026) مؤتمراً بعنوان «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى» رعاه الرئيس عبدالفتاح السيسي وشاركت فيه نخبة مِن العلماء والمفتين والباحثين والمتخصصين من مختلف دول العالم. لكم تثري لو تمت دعوة بيل غيتس للمشاركة في هذا المؤتمر ويتحدث فيه كرمز تكنولوجي دولي له مآخذه على الحالة الراهنة مِن مخاطر الإبتكارات الإلكترونية في ما يخص وسائل التواصل والمنصات بكثير من التفصيل لمخاطر الذكاء الإصطناعي، أو فلنقل لسلبياته الكثيرة مقابل إيجابيات محدودة.
وعلى هامش هذا المؤتمر الإفتائي ثمة وقفة أمام منظر صادم يتمثل بأن مفتي سوريا في العهد الأسدي إبناً بعد أب الشيخ أحمد حسون داخل قفص الإتهام في المحكمة التي قضت بالسجن المؤبد له بدل الإعدام. والدافع إلى ذلك أن مفتي الجمهورية الأسدية من حلب الشهباء والبالغ من العمر 77 سنة أدين مِن خلال فتاوى صدرت عنه لمصلحة ما حفلت به سنوات بشَّار الأسد بالذات مِن إدانة أشخاص لقوا حتفهم تصفية أو رمياً في غياهب السجون.
لسنا هنا في معرض الدفاع عن الشيخ أحمد حسون ولكن ثمة نقطة نظام وهي أن المفتي في أي نظام يغرد مقتنعاً أو مضطراً في أجواء هذا النظام. ومِن هنا فإن مجرد إنزال الشيخ أحمد حسون مِن أعلى درجات السلَّم إلى الأرض وعودته إلى عائلته في حلب التي تفخر بوالده رجل الدين البارز، يبقى أفضل كإجراء مِن الذي تم إتخاذه وبالذات إلباس المفتي الذي واجبه التشريع وتحديد ما هو شرعي وما هو باطل ثياب السجين.
واقعة الشيخ أحمد تعيد ذاكرتنا إلى الذي أصاب الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية الذي رداً على نُصح مِن جانبه للنظام الأسدي أصابه ذلك النظام بما أدى إلى إستشهاده. في الحالتيْن كانت سوريا النظام الأسدي (الذي عومل رئيساه الأب حافظ ثم الإبن بشَّار مِن العهد الجديد بما لا يتسم بحفظ الكرامات) على درجة من قساوة المشاعر عندما تسبَّب نظامها الأسدي في إستشهاد المفتي حسن خالد، وعلى درجة من الإهانة في التعامل مع حالة المفتي أحمد حسون وتعميم مشهد مصوَّر لمرجعية دينية كانت تؤم المصلين وتُصدر الفتاوى، بثياب السجين الذاهب إلى حياة السجن عوض الإكتفاء بعزله وترْكه يعود إلى بني قومه في الشهباء حلب. يا سبحان الله.