رحمك الله يا أبي، يا من كنتَ كبيرَ العائلة، وذاكرتها الحيّة، وموئلَها حين تشتدّ بها الأيام؛ تحمل في صدرك عبقَ الماضي، وتحفظ في حديثك ملامحَ زمنٍ عزيزٍ بما فيه من أصالةٍ ومروءةٍ وطيبِ سريرة.
كنتَ أديبَ الطبع، عذبَ الحديث، حسنَ المجالسة؛ إذا تحدّثتَ أنصتَ إليك من حولك، لما في كلامك من سلاسةٍ ودفء، ولما كان يختزنُه من معرفةٍ وتجربة. وكنتَ واسعَ الحفظ للأمثال والحِكَم من تراثنا الشعبي، تستدعيها في مواضعها بملكةٍ عجيبة، حتى ليخيّل إلى من يسمعك أنك لا تستحضر ألفاظًا موروثة فحسب، بل تستحضر معها حكايات الناس، وأيامهم، وما خلّفته السنون في نفوسهم من تجارب وعِبَر.
ولم تكن الأمثال عندك عباراتٍ تتناقلها الألسن، بل كنتَ تراها خلاصةَ أعمارٍ وتجارب، ومرآةَ مجتمعٍ حفظ في كلماته ما عجزت الكتب عن حفظه. فكنتَ، من حيث لا تدري، أمينًا على جانبٍ من تراثنا الشفهي، تحمل بعضه في ذاكرتك، وتصونه من أن تطويه غفلةُ الزمن.
كنتَ لنا أبًا، ومعلّمًا، ومرجعًا؛ وكان لوجودك بيننا شأنٌ يتجاوز القرابة إلى معنى السند. في مجلسك كانت للعائلة مهابةٌ مقرونةٌ بالألفة، وللحديث وقارٌ لا يثقله التكلّف، وللذكريات مكانٌ لا تبلغه يدُ النسيان.
وما يزيدني فخرًا واعتزازًا أنني أنتمي إلى رجلٍ ترك وراءه سيرةً عطرة، وذكرًا حسنًا، ومحبةً صادقةً في نفوس أهله ومن عرفوه. وقد كنتَ لأبنائك مدرسةً صامتةً في الخُلُق، يتعلّمون منك قبل القول بالفعل، ومن سيرتك قبل وصاياك؛ فكان ما غرسته فيهم من أدبٍ ومحبةٍ للناس، وإكرامٍ للإنسان، من أجمل ما خلّفتَ في هذه الدنيا.
يا أبي، إن غياب الجسد لا يمحو حضور السيرة، وإن انقطاع الصوت لا يطفئ أثر الكلمة. تبقى بعضُ الأرواح في أهلها لا لأنها أقامت بينهم زمنًا طويلًا فحسب، بل لأنها تركت فيهم شيئًا منها؛ خلقًا يُقتدى به، وذكرى تُستعاد، وكلمةً لا تزال تتردّد في الذاكرة كلما احتاج القلب إلى صاحبها.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما علّمتَ، وما حفظتَ، وما غرستَ في أبنائك وأهلك من خيرٍ وأدبٍ ومحبة، في ميزان حسناتك، وأبقى لك في قلوبنا من الذكر ما لا تطويه الأيام.
نم قرير العين يا أبي…
فإن الرجال لا يرحلون كلّ الرحيل إذا بقيت آثارهم في النفوس، ولا يغيبون حقًا إذا ظلّت سيرتهم حيّةً في الذاكرة، وظلّ الحب الذي تركوه وراءهم شاهدًا على أنهم مرّوا من هنا… وتركوا في الحياة أثرًا جميلًا.
ابنك
القاضي م. جمال الحلو