8 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 21-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة تجديد الفوضى الخلَّاقة
تجديد الفوضى الخلَّاقة
د. قصي الحسين
2026-09-21
تجديد الفوضى الخلَّاقة

هذا هو النظام الذي رست عليه الألفية الثالثة.

إكتشفه الأميركيون في لبنان، وإنتهوا إليه، بعدما أجروا عليه التجاريب الواسعة. وخلصوا من خلال ذلك، بالخبرة العلمية وبالتجربة المعاشة، أن الفوضى يصلح أن يكون لها، نظاما عالميا، يلبي الطموحات في إدارة الأزمات والعيش معها لفترات طويلة. 

قرأ الأميركيون التاريخ في لبنان جيدا. منذ أن كان جبلا صغيرا. ثم صار جبلين صغيرين. ثم صار ساحلا وجبلا، له حديقة خلفية أسمها البقاع. وله واجهة أمامية إسمها الجنوب. وله نهر في الشمال، أعلى الخارطة، إسمه النهر الكبير الجنوبي.

تمعَّن الأميركيون جيدا في خارطة لبنان الكبير، وفي تاريخ لبنان أيضا، منذ قديم العصور. فوجدوا كيف كان يضم الهويات ويقطع الأزمات مرحلة بعد مرحلة. كانوا يرون فيه حوتا صغيرا يبتلع العصور، عصرا بعد عصر. ويظل على ثباته جبلا يعاند الصخر، ويتنطح بقرنه لكبد السماء.

إكتشف الأميركيون في لبنان صفات وسمات، ما وقعوا عليها في سائر البلدان. فكل شيء عنده صفقة تجارية. أسست على علم وعمل. وشكلت مدرسة فينيقية، قوامها ممالك مستقلة، وسفينة عائمة تروح وتجيء. وخبرة طويلة في فوضى البحر، حين يهدأ وحين يثور.

وجد الأميركيون غرضهم في لبنان. بلد يقوم منذ تأسيسه، على الفوضى. ويصنع لها نظاما. وهو صالح لكل زمان وكل مكان. فأُعجبوا به. وساروا إلى تطبيقه، حيثما رست مراكبهم، وحيثما حطت بوارجهم، وحيثما لامست أقدامهم من الأرض. من فضاء غزة و هرمز إلى بحيرة أونتريو وخليج المكسيك، و بلاد كندا وقناة بنما وجزر البحر الكاريبي. والبقية تتبع...

الأميركيون أهل خبرة وإبداع. منحهم لبنان فرصة ذهبية لتأسيس نظام شامل و عام، يقوم على الفوضى اللبنانية الخلاقة. وهم اليوم يبتدعون المناطق التجريبية، لا في لبنان وحده، بل على خارطة الشرق الأوسط كله. وعلى خارطة الشرق الأقصى. وفي عموم أوروبا وآسيا و بلاد فينزويلا وكندا. يبدعون الفوضى، ويبدعون نظامها معها. لأن لكل شيء نظام، برأي العلماء.

الأميركيون جهابذة علم ومعرفة بالأصول وبعلم الأصول وبالقواعد العامة، وبعلم الهندسة. أخذوا من لبنان علم الفوضى، وعادوا إليه يعلّمون شعبه نظامها. فالفوضى اللبنانية يجب أن تقوم بعد اليوم على النظام الأميركي. فهو الوصفة المناسبة لصحة العيش، و سلامة البقاء على قيد الحياة.

التعديات الجارية في الجنوب، إنما هي فقط لصنع الأزمات، وليس لأي أمر آخر. فاليهدأ اللبنانيون. وليهدئوا من روعهم. فلا شيء يستحق البكاء على الأطلال: أطلال بنت جبيل و أطلال عيترون و الخيام. ولا حتى على النبطية والتلال القريبة أو البعيدة، في جزين وفي جبل الريحان. وتومات نيحا. وليأخذ نظام الفوضى الأميركي مجراه الطبيعي، لأن لبنان سوف يعود أجمل مما كان... وسوف يعود الجنوب اللبناني شمالا، على النهر الكبير الجنوبي، لنظام وحدة الساحات.

الأميركيون مدركون ماذا يصنعون للبنان. ينظمون له فقط، الفوضى التي إعتاد عليها. بأساتذة منه وهم مبعوثوهم وسفراؤهم. أخرجتهم الفوضى اللبنانية إلى أميركا، ليعودوا إليه من بعد، برتبة علماء و مهندسين. يهندسون له نظام الفوضى للمئوية القادمة: الفوضى التي إعتادها منذ عصور. أخذتها منه أميركا، وهي اليوم تعيدها له بنظام جديد. ولو بفارق قرون...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

جريدة اللواء
أخبار مماثلة