14 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 28-09-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة من ركام النبطية.. ناشطون يمدّون جسور الحياة
من ركام النبطية.. ناشطون يمدّون جسور الحياة
رنا جوني
2026-09-27
من ركام النبطية.. ناشطون يمدّون جسور الحياة

 

من بين ركام النبطية، الشاهد على ما خلّفته الحرب، مضى ناشطون في جولة أرادوا منها أن يقولوا: «نحنا حدّ النبطية». في شوارع المدينة التي ما زالت تحمل آثار الدمار، وبين مبانٍ تراثية بات بعضها أثراً بعد عين، خرج الصوت نفسه من أكثر من مكان: «النبطية ما بتموت».
قد تبدو حملة «متضامن مع النبطية» رمزية، لكنها حملت في طياتها ما يتجاوز جولة في مدينة أنهكتها الحرب. أراد منظموها أن تكون جسراً للعودة والتكاتف، وأن يقولوا إن عودة النبطية إلى الحياة ليست شأناً محلياً، بل جزء من قوة الجنوب وحيويته.

في الحرب الأخيرة، طاولت الاعتداءات تاريخ النبطية وتراثها واقتصادها. لم ينجُ الكثير من أحيائها القديمة، وكان حي السراي العتيق واحداً من الشواهد الأوضح على ذلك. محاله الحجرية المتلاصقة وشارعه القديم حملت آثار الحرب، لكن أصحابها لم يغادروا المكان. عادوا وفرشوا بضائعهم، في محاولة لاستعادة ما يمكن استعادته من الحياة.
بين هذه المحال، سار روحي جمعة، ابن الطريق الجديدة، الذي جاء إلى النبطية لا لالتقاط صورة مع الركام، بل ليترك لدى أهل المدينة شيئاً من الأمل. بالنسبة إليه، النبطية ليست مدينة عابرة، بل «التاريخ والعراقة والتراث والمقاومة». وما يجمعه بها هو تاريخ لا يمكن، كما يقول، محوه مهما طال الاعتداء عليه.

Image-1790433308.Jpg


اختارت الحملة توقيتاً حساساً لجولتها. تزامنت مع غارات طاولت مرتفعات جبل الرفيع، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى طبيعة هذه الغارات وأبعادها، لكن ذلك لم يثنِ المشاركين عن مواصلة جولتهم. أرادوا ضخ الحياة في المدينة، وهو ما يصفه رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين بأنَّه «فرصة حياة تضامنية مع النبطية، التي بدأت تلتقط أنفاسها».
فخر الدين يحاول أن يجعل من النبطية بوابة للحياة في مواجهة جدران الدمار، ويدفع باتجاه النهوض بالمدينة، معتبراً أن الزيارات التضامنية تشكل فرصة لأبنائها ولإعادة وصلها بمحيطها.

على طاولة فطور مختلفة حضرت زلابية وسحلب وقليل من التمرية، ومعها كثير من تراث النبطية. مشهد بسيط، لكنه يشبه قصة المدينة نفسها: محاولة لاستعادة تفاصيل الحياة وسط الركام.
الإعلامي خليل حرب يرى أنَّ ما جرى للنبطية لا يمكن اختزاله بالغارات التي دمرت أحياءها، لأن الضرر طال تاريخ المدينة وهويتها أيضاً. ويقول إنَّ الزيارة جاءت «لدق ناقوس الخطر»، مؤكداً أنَّ النبطية ليست بعيدة عن لبنان، بل هي جزء منه، وأنَّ التعامل معها كأنها خارج اهتمامات اللبنانيين هو الخطر الأكبر.

معظم المشاركين في الجولة جنوبيو الهوى، أو ممن يحملون علاقة خاصة بالجنوب. رجاء بشارة واحدة منهم. تقول إنَّ ما يدفعها إلى المجيء هو «الشوق لرائحة الجنوب»، وإنها تأتي بحثاً عن المعنويات والطاقة الإيجابية.
 

Image-1790433395.Jpg


وفي شوارع النبطية، كانت التفاصيل الصغيرة أكثر تعبيراً من الشعارات: أصوات الباعة التي خرقت صوت المسيّرات، علم لبناني، بائع متجول، وصاحب متجر احترق محله فعاد ووضع طاولة أمامه. مشاهد بسيطة لعودة الحياة، وأبناء مدينة يصرون على فتح أبواب العمل والعودة.
الخوف من جولة مواجهات جديدة حاضر لدى كثيرين، لكنه لا يمنعهم، كما يقول أحد أبناء المدينة، من محاولة استعادة الحياة ورونقها.
ما سمعه الناشطون خلال جولتهم كان أقوى من مجرد دعوة إلى البقاء. كان صموداً. قصص عن منازل تهدمت واحداً تلو الآخر، وعن مجزرة أمن الدولة، وعن السوق التجاري ومصرفها المركزي، وعن مدينة أصيبت في ذاكرتها واقتصادها، لكنها لم تنكسر.
 

Image-1790433442.Jpg


يقول أحد منظمي النشاط، قاسم قصير، إن المبادرة «تضامنية لتأكيد عودة الحياة إلى المدينة، ونقل صورة النبطية إلى العالم، بأنَّ هذه المدينة تنهض من جديد».

أما الإعلامي فراس خليفة، فيرى أن من يلتقط أنفاس المدينة يشعر وكأنه أمام مدينة مكتظة بالنضال. بالنسبة إليه، النبطية «مدينة تقاوم وترفض الانكسار»، وتستعيد حياتها لأن الانهيار ليس من طبيعتها. ويختصر هدف الزيارة برفع المعنويات، والقول للعالم: «زوروا النبطية، وانظروا إليها كيف عادت إلى الحياة».


تعود الحياة تدريجياً إلى المدينة. أصحاب المحال يفتحون أبوابهم، والمؤسسات الأمنية عادت إلى العمل، فيما تبدأ المؤسسات الحكومية مسار العودة. ومع كل باب يُفتح وكل محل يستعيد نشاطه، تستعيد النبطية جزءاً من صورتها.
في مدينة حاولت الحرب أن تغيّر ملامحها، تبدو العودة اليوم فعلاً يومياً صغيراً ومتراكماً. النبطية لم تستعد عافيتها كاملة بعد، لكنها بدأت تستعيد ما هو أبعد من الحجر: حضورها، وذاكرتها، وإصرار أهلها على البقاء.

 

المدن
أخبار مماثلة