16 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 29-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة أزمة الخطاب النيابي في لبنان: عندما ينفصل "النصر الكلامي" عن واقع الأرض
أزمة الخطاب النيابي في لبنان: عندما ينفصل "النصر الكلامي" عن واقع الأرض
محمد جارودي
2026-09-29
أزمة الخطاب النيابي في لبنان: عندما ينفصل "النصر الكلامي" عن واقع الأرض

لم تكن جلسة مجلس النواب المخصصة لمناقشة  سياسة الحكومة ومساءلتها، يومي 15 و16 أيلول، مجرد استحقاق دستوري عابر، بل عكست، في جانب منها، أزمة أعمق تتصل بطبيعة الخطاب السياسي الذي يطغى أحياناً على النقاش الوطني. فالجلسة، التي تناولت ملفات مالية واقتصادية واجتماعية وسيادية متعددة، شهدت أيضاً سجالات سياسية حادة، حتى بدا في بعض لحظاتها أن تسجيل المواقف يتقدم على مناقشة الحلول التي ينتظرها اللبنانيون.استشارات سياسية

المشكلة ليست في اختلاف النواب، فالاختلاف جزء أصيل من العمل البرلماني، ولا في ارتفاع سقف النقد، ما دام محكوماً بالحجة والمسؤولية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المنابر الدستورية إلى مساحة للمزايدات وتبادل الاتهامات، ويصبح رفع الصوت بديلاً عن قوة الحجة، وتتحول الكلمات إلى ما يشبه «انتصارات» سياسية وإعلامية لا تغير شيئاً من واقع اللبنانيين.

فلبنان الذي يسمع هذه السجالات ليس لبناناً يعيش ترف المناكفات. إنه بلد أنهكته الحروب، وأثقلت كاهله الأزمات الاقتصادية والمالية، وتراجعت فيه قدرة الدولة على تأمين أبسط مقومات الاستقرار، فيما لا تزال مساحات واسعة من اللبنانيين تدفع يومياً أثماناً باهظة نتيجة الانقسامات السياسية والخيارات المتضاربة حول الدولة والسلاح والحرب والسلم.


ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح تحت قبة البرلمان ليس: من انتصر في الخطاب؟ ومن نجح في تسجيل نقطة على خصمه؟ بل: ماذا تغيّر في حياة المواطن بعد كل هذه الكلمات؟ وهل استطاعت المناقشة النيابية أن تقترب من جذور الأزمة، وأن تقدم للبنانيين تصوراً واضحاً للخروج منها؟

لقد كشفت السنوات الماضية أن الوطنية لا تُقاس بعلوّ الخطاب ولا بكثرة الشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها، وصون سيادتها، والحفاظ على السلم الأهلي، واتخاذ القرارات التي تقلل كلفة الأزمات على المواطنين. كما أثبتت التجربة أن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتتحمل وحدها مسؤولية حماية أرضها وشعبها.سياحة لبنان

وفي هذا السياق، فإن التمسك بمنطق الدولة ليس موقفاً موجهاً ضد فئة من اللبنانيين، بل هو، في جوهره، دفاع عن فكرة الدولة نفسها: مؤسسات شرعية، وجيش وقوى أمنية، وقضاء مستقل، وقرار وطني لا يتوزع بين مراكز نفوذ متعددة. وقد أعاد النقاش النيابي الأخير وضع مسألة حصرية السلاح والقرار الوطني في صلب النقاش السياسي، بالتوازي مع ملفات الإصلاح والاقتصاد وإعادة الإعمار.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة مع الواقع، وأن يعيش الخطاب في عالم من الشعارات والانتصارات اللفظية، بينما يعيش الناس في عالم مختلف تماماً؛ عالم يبحث فيه المواطن عن الأمان، والعمل، والكهرباء، والاستقرار، وفرصة حقيقية لبناء مستقبل لأبنائه.

إن المسؤولية النيابية لا تكتمل بمجرد الوقوف خلف المنبر وإطلاق المواقف، بل تبدأ بعد انتهاء الخطاب: في القدرة على تقديم البدائل، ومساءلة الحكومة بجدية، ومراقبة تنفيذ القرارات، والاحتكام إلى الدستور والمؤسسات، والابتعاد عن كل ما يزيد الانقسام ويعمّق الشرخ بين اللبنانيين.

لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب السياسي من منطق «من غلب من؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف نُخرج لبنان من أزماته؟». فالوطن لا ينتصر عندما ينتصر خطاب على خطاب، ولا عندما يسجل فريق نقطة في مواجهة فريق آخر؛ الوطن ينتصر عندما يشعر مواطنوه أن دولتهم تحميهم، وأن قرارها وطني، وأن مؤسساتها قادرة على استعادة ثقتهم.

وفي النهاية، يبقى لبنان أكبر من أي سجال نيابي، وأبقى من أي اصطفاف سياسي. وما يحتاجه اليوم ليس مزيداً من «الانتصارات الكلامية»، بل خطاباً يرتقي إلى حجم المسؤولية، ودولةً تضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق كل اعتبار، وإرادةً صادقة في أن تكون الكلمة السياسية جسراً إلى الحل، لا وقوداً لأزمة جديدة.

حفظ الله لبنان، وأعاد إلى أبنائه الطمأنينة والاستقرار، وجعل إرادة الحياة وبناء الدولة أقوى من كل أسباب الانقسام والاضطراب.استشارات سياسية

أخبار مماثلة