16 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 29-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم كم نحب أبناءنا… وهل يعرفون ذلك؟
كم نحب أبناءنا… وهل يعرفون ذلك؟
د. مؤيد بدران
2026-09-29
كم نحب أبناءنا… وهل يعرفون ذلك؟

 

 

نحب أبناءنا حبًّا لا يحتاج إلى دليل، كما نظن. نتعب من أجلهم، ونقلق عليهم، ونحاول أن نهيّئ لهم حياة أفضل من حياتنا. لكن يبقى سؤال مهم: هل يشعرون بهذا الحب كما نريد لهم أن يشعروا به؟

فالحب لا يُقاس بما نقدّمه لهم من احتياجات فقط، ولا بعدد النصائح التي نغمرهم بها. يحتاج الأبناء إلى أن يسمعوا كلمات المحبة، وأن يجدوا من يصغي إليهم باهتمام، لا من ينتظر انتهاء حديثهم ليخبرهم بما أخطأوا فيه. أحيانًا لا يحتاج الابن إلى حلّ، بل إلى قلبٍ يسمعه، ووقتٍ يشعر فيه أن مشاعره مهمة.

ونحن، بدافع الخوف عليهم، قد نبالغ في مراقبتهم وتوجيههم، فنظن أن السيطرة دليل اهتمام. لكن الأبناء يكبرون، ويحتاجون إلى مساحة يختبرون فيها اختياراتهم ويتعلمون من تجاربهم. دورنا أن نرشدهم ونضع لهم حدودًا تحفظهم، لا أن نمنعهم من أن يكونوا أنفسهم أو نختار عنهم كل تفاصيل حياتهم.

والنصيحة، مهما كان مقصدها طيبًا، تفقد أثرها حين تُقال بقسوة أو أمام الآخرين. يمكننا أن نصحّح الخطأ من دون أن نجرح صاحبه، وأن نضع الحدود من دون أن نهين، وأن نختلف مع أبنائنا من دون أن نشعرهم بأن محبتنا لهم مشروطة بطاعتهم أو بتشابههم معنا.

ومن أجمل ما نقدّمه لهم أن نعترف حين نخطئ. فالاعتذار لا ينتقص من مكانة الأب أو الأم، بل يعلّم أبناءنا أن القوة لا تعني الإصرار على الخطأ، وأن المحبة تتسع للمراجعة والإنصاف. حين نقول لهم: «أخطأت، سامحوني»، نمنحهم درسًا يبقى معهم أكثر من كثير من المواعظ.

قد يختلف أبناؤنا عنا في أفكارهم وطباعهم واختياراتهم، وقد لا يسيرون في الطريق الذي رسمناه لهم. لكنهم لا يحتاجون إلى أن يكونوا نسخة منا كي يستحقوا حبنا. يحتاجون إلى أن يعرفوا أن بابنا سيبقى مفتوحًا، وأن بإمكانهم أن يعودوا إلينا من دون خوف من السخرية أو التوبيخ.

نحب أبناءنا كثيرًا، لكن الحب الذي لا يصل إليهم بالكلمة والإنصات والاحترام قد يبقى محبوسًا في قلوبنا، بينما هم بحاجة إلى أن يروه في تفاصيل أيامهم. فلنقل لهم إننا نحبهم، ولنُصغِ إليهم، ولنمنحهم الثقة، ولنرافقهم وهم يكبرون، لا أن نمسك بأيديهم إلى الأبد.

فالأبناء لا يحتاجون إلى والدين كاملين، بل إلى والدين حاضرين؛ يخطئان ويعتذران، يوجّهان ويمنحان مساحة، ويتركان في قلوب أبنائهما طمأنينة تقول: مهما ابتعدتم، ستجدون عندنا حبًّا لا يتغير. عندها يصبح هذا الحب سندًا يرافقهم في الحياة، حتى حين لا نكون إلى جوارهم.

د. مؤيد بدران.

أخبار مماثلة